الصحافة العالمية: أوراق اللعب المطروحة أمام قطر

0 41

شهدت الأيام الماضية تطورات عديدة في الأزمة القطرية، ما دفع معظم الصحف العالمية إلى التنبؤ بحل قريب للأزمة، فبعد خفض المطالب الثلاثة عشر إلى 6 مبادئ أساسية فقط، تقتصر على «محاربة الإرهاب والتطرف، ومنع تمويل الجماعات الجهادية وإيقاف الآلة التي تحض على العنف والكراهية» حسب تصريحات المبعوث السعودي لدى الأمم المتحدة، وهي المبادئ التي تركز فقط على مساحة المطالب المشتركة بين دول المقاطعة وبين الدول الغربية، وكانت الدول الغربية قد تقاعست عن الاستجابة لمطلبي إغلاق شبكة الجزيرة التلفزيونية وطرد القوات المرسلة من تركيا التي تتمتع بعضويتها في حلف الناتو.

وكانت قطر قد لجأت إلى الأمم المتحدة لحل الأزمة، حسب تصريحات وزير الخارجية القطري، معتبرا أن حملة المقاطعة تتضمن انتهاكات متعددة للقانون الدولي، وفي هذا العرض سنحاول مناقشة الأوراق الأخرى المطروحة أمام طرفي الأزمة وذلك في ضوء ما نشرته الصحف العالمية خلال الأسبوع الماضي.

وتتمثل الورقة الأولى في موقف الولايات المتحدة من الحصار، ولرد هذه المسألة إلى أصولها، يبدو أن رهانات دول المقاطعة على انحياز إدارة ترامب إليهم ليست أمرًا مسلَّما بفشله أو نجاحه. فحين ننظر إلى السياسة الخارجية الأمريكية، ونلمس تخبط ترامب فيما يخص الأزمة السورية أو تشجيعه لتأجيج الصراع السعودي الإيراني أو تسرعه في مباركة الحصار الإقليمي ضد قطر، أو حتى تحول مواقفه إزاء كوريا الشمالية (التي بدأت بمدح مهارات كيم جونغ أون والرهان على الضغط الاقتصادي الصيني وإبداء الرغبة في التفاوض، ثم تحولت بعد شهور قليلة إلى تجاهل الدور الصيني والتعويل على التهديدات العسكرية مجددًا)، حين نلمس استمرار ذلك في أروقة السياسة الخارجية التي تمس الشأن العسكري الأمريكي، نستنبط أن النخبة العسكرية الأمريكية لم تحسم بعد صراعها مع الرئيس ولم ترسم له أي خطوط مسبقة لتحركاته، بل تلعب دورًا تصحيحيًا خجولا، وحتى الانتصارات التي تحققها النخبة العسكرية لا تزال هامشية وتقتصر على لفتات رمزية، كأن يتجاهل وزير الدفاع الأمريكي (جيمس ماتيس) بروتوكول الثناء على الرئيس أثناء اجتماع الوزراء أو أن يدبر مستشار الأمن القومي (هربرت ماكمستر) إقالة مستشار شؤون الشرق الأوسط (ديريك هارفي) –المعروف بلغته الحادة تجاه إيران- من المجلس الاستشاري، وهو لا يكفي لكبح جماح الرئيس الجديد، ويبدو إذن أن النخب العسكرية الأمريكية (رغم أنها أصبحت لاعبًا سياسيا هامشيا بعد حرب فيتنام مقارنة بحيادها المثالي في الخمسينيات) لا يعول عليها في هذا الدور اليوم، واللاعبان الوحيدان حاليا هما الكونجرس (بانقسامه الحزبي) ووزير الخارجية الأمريكي (والذي كان رئيسا تنفيذياً لشركة موبيل التي تقود سوق الغاز القطري حتى اليوم).

وإننا نعني وزير الخارجية الأمريكي والدائرة المحيطة به فقط، وليس باقي وزارته، إذ ثمة فجوة كبيرة حاليًا بين الصف الأعلى وبين باقي كوادر وزارة الخارجية الأمريكية، وتعكس الصحف تلك الحالة على استحياء من خلال سرد بعض المواقف والانطباعات التي تعكس مقدار الفظاظة في تعامل الإدارة الجديدة مع كوادر الخارجية الأمريكية وتجاهل الخبرات. ففي يوم الاحتفال بالسياسة الخارجية الأمريكية، مُنعت رئيسة رابطة الخدمة الخارجية الأمريكية (AFSA) والسفيرة سابقًا لدى بنما، السيدة بربرا ستيفنسون، من دخول البهو الذي كان مقررا أن تلتقي فيه بوزير الخارجية الأمريكي ريكس تيليرسون، والذي يُعد دخيلا على المؤسسة، وهذا التجاهل يتزامن مع حالة التفكيك التدريجية لوزارة الخارجية وخطة إعادة هيكلتها خلال العام القادم، فيما يراه البعض عقابا يستهدف «وزارة هيلاري كلينتون»، أو تنفيذا لما يسعى إليه ستيف بانون، كبير الخبراء الاستراتيجيين للرئيس ترامب، من تفكيك للدولة الإدارية في الولايات المتحدة، أيا كان، فهذا يوصلنا إلى النتيجة ذاتها، أن هناك عزلة عميقة بين كوادر الوزارة وبين وزير الخارجية (ريكس تيليرسون)، ناهيك عن الرئيس نفسه، عزلة تجسدت في أزمة قطر حين مرت عدة أيام، خرج فيها ترامب وتيليرسون بمواقف متناقضة إزاء الحصار، دون أن يتصل وزير الخارجية، ولو لمرة واحدة، بسفيرته في الدوحة (وفقا لرواية روجر كوهين في مقاله بنيويورك تايمز).

الطرف الوحيد القادر على حسم مسار السياسة الأمريكية لصالح قطر هو الكونغرس، وهذا قد يفسر توجه قطر إلى التعاقد مع شركة «أفينيو استراتيجيس غلوبال» والتي أسسها باري بينيت وكوري ليفاندوفسكي اللذان لعبا دورًا هامًّا في الحملة الرئاسية لترامب نفسه، ومن المتوقع أن يقوم بينيت (ومعه إيد بروكوفر وأنغوس جرين جونيور) بتمثيل قطر والتواصل مع أعضاء الكونغرس في الأساس (فضلا عن الدوائر التنفيذية والإعلامية وغيرها من الأفراد والمؤسسات الفاعلة في الشؤون الخارجية والحكومية، وهو الأمر الذي قد يساهم في معادلة الكفة مع اللوبي الواسع للمملكة العربية السعودية (والتي تعاقدت مع خمس شركات علاقات عامة وضغط خلال عام 2015 فقط) وباقي دول المقاطعة، ويشهد توسعا في تواجد قطر بين الدول المستعينة بجماعات الضغط بعد أن كان تواجدها محدودًا قبل الأزمة، خصوصًا حين يقترن ذلك بمصلحة العديد من الشركات العملاقة (على رأسها شركة إيكسون موبيل) في خروج قطر بسلام من الأزمة.

الورقة الثانية التي يمكن لقطر التعويل عليها هي جهود الوساطة من جانب بعض دول مجلس التعاون الخليجي. فإلى جانب دور الوساطة الكويتية في حل الأزمة، أفردت واشنطن بوست هذا الأسبوع تقريرًا عن الدور المتوقع لسلطنة عُمان في حل الأزمة، ورأت الكاتبة أن عمان، بتاريخها الحيادي وعلاقاتها الثنائية مع إيران، قد تلعب دورًا هاما، بجانب الكويت، في حل الخلاف القطري-الخليجي. بيد أن هذا يظل رهنا للأزمة الاقتصادية العمانية ومدى تورطها في الشأن اليمني (والذي ساهمت فيه من خلال إطلاق سراح الأسرى واستضافة مباحثات السلام والمساعدة في إخلاء الدبلوماسيين الأمريكيين من اليمن) فضلا عن مدى انتفاع عمان اقتصاديا من حصار قطر (بعد فتح الموانئ العمانية أبوابها لقطر)، وهذا ما يضع المصلحة في استمرار الحصار وليس في إنهائه لصالح أيٍّ من الطرفين، فعمان قد تبذل جهودًا في سبيل ألا تستسلم قطر لمطالب دول المقاطعة، ولكنها قد ترغب في ألا تنتصر قطر مبكرًا.

ولا تزال الأوراق الأخرى مبهمة للغاية، فالمعركة الإعلامية قد تشهد ميل صحيفة الإندبندنت البريطانية (والتي اشترى مستثمر سعودي حصة كبيرة منها في الأيام القليلة الماضية) إلى الخطاب الإعلامي المقبول لدى المملكة، وإن كان هذا يبدو احتمالا غير كبير، ولكن يتوقع أن تراهن قطر على التغطية الإعلامية لمجريات القضايا التي رفعتها أسر ضحايا 11 سبتمبر ضد الدول الممولة للإرهاب، والتي تستهدف المملكة العربية السعودية (وقد تستهدف الإمارات أيضا)، ومن المقرر أن يشهد مطلع أغسطس أولى جلسات الدفاع الممثل للمملكة في القضية الأكبر عددًا بين القضايا المرفوعة.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...