لماذا فشل الحصار على قطر؟

4 4٬803

في مساء يوم الجمعة الماضي 22 يوليو/تموز، ألقى تميم بن حمد أمير دولة قطر، خطاب المنتصر بعد مرور حدة المعركة الشديدة التي خاضتها ضده كل من السعودية والامارات والبحرين ومصر، قامت خلالها بقطع العلاقات الدبلوماسية واغلاق المنافذ والأجواء البرية والجوية والبحرية، وطرد القطريين من بلادهم، وذلك تحت ذريعة تصريحات له تم كشف فبركتها من النظام الاماراتي، فما هي الأسباب الحقيقية وراء تلك الأزمة؟، وكيف استطاع النظام القطري التغلب على هذا الحلف القوي مجتمعاً بما لهم من نفوذ في الساحة العالمية؟، وما هي نتائج تلك الهجمة؟

خلاف تاريخي

يمتد الخلاف بين النظام القطري ورباعي الحصار، السعودية والامارات والبحرين ومصر، منذ بداية حكم الأمير السابق حمد بن خليفة، وقد تم توجيه الاتهام لتلك الدول بالاشتراك والمساعدة في محاولة الانقلاب الفاشلة على الأمير حمد عام 1996، حيث كان للأربعة دول علاقات متباينة بتلك الواقعة، فالأمير الوالد الذي اُتُهم كمُدبر رئيسي للمحاولة كان يُقيم في أبو ظبي وقت وقوع تلك الأحداث ومنها أعلن اقتراب عودته إلى الحكم وهو ما لم يتم، كما أن المتهم الثاني وهو الأمير حمد بن جاسم بن حمد كان قد حصل على جواز سفر بحريني قبل 5 أشهر من تلك المحاولة، كما اتهمت الدوحة حينها الرئيس المخلوع حسني مبارك ورئيس جهاز مخابراته عمر سليمان بالضلوع في تلك المحاولة وفق ما قاله وزير الخارجية الأسبق والأمين العام الحالي لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، وبجانب استئناف عقيدة مبارك في حكم مصر فعداء نظام السيسي للأمير تميم هو الأشد في المنطقة العربية كاملة، وقد تمت محاكمة عدد من مواطني وضباط تلك الدول في محاولة الانقلاب تلك كان منهم الضابطان المصريان عطية بدرى عطية وأحمد توفيق سعيد، والذين حوكما غيابيًا، لأنهما تمكنا من الفرار بعد المحاولة، إضافة لعدد من حاملي الجنسية السعودية والذين تم العفو عنهم عام 2010 بطلب من الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، كل ذلك بجانب وجود خلاف شخصي بين الملك سلمان بن عبد العزيز والأمير السابق حمد منذ تلك الواقعة.

تجدد الخلاف

بعد اندلاع الربيع العربي في عدد من الدول، انتهجت قطر سياسة مختلفة مخالفة لدول الحصار، حيث تقاربت الدوحة مع الحركات الإسلامية في تلك الدول، في حين دعمت السعودية والامارات وتابعتهما البحرين الأنظمة المضادة مثل دعم عبد الفتاح السيسي في انقلابه، وكذلك دعم خليفة حفتر القائد العسكري الليبي، وتباين المواقف تجاه الأزمة اليمنية التي قال وزير الدفاع القطري أنه قد تم الدفع بهم داخلها رغم رفضهم للتحالف السعودي الذي كونه ولي العهد محمد بن سلمان، وكذلك المواقف داخل الأزمة السورية، وعلى رأسهم الموقف الرسمي من النظام الإيراني، كما كان للشأن الفلسطيني دور هام وبارز في ذلك الخلاف، حيث كان لقطر موقفاً داعماً لحركة المقاومة الفلسطينية حماس مقابل اقتراب دول الحصار من الكيان الصهيوني المحتل والذي لطالما خاطبت وده لنيل الدعم السياسي داخل واشنطن وخارجها ومصالح اقتصادية وسياسية وأمنية، كل ذلك ما لم تنسه دول الحصار للنظام القطري حتى جاء وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للبيت الأبيض، والذي رأت فيه فرصة ذهبية لاستغلاله في معاقبة النظام القطري أو الإطاحة به، ومع وصول ترامب إلى العاصمة السعودية الرياض لعقد قممه الثلاث، السعودية والخليجية والإسلامية، والتي تبين خلالها اقترابه من تلك الأنظمة عبر عدة صفقات ضخمة، بدأ الترتيب لعملية الانقضاض على الدوحة، فوفق ما كشفته صحيفةواشنطن بوست عن مسؤولين في المخابرات الأمريكية، فإنه في يوم 23 مايو/أيار الماضي أي قبل مرور 24 ساعة على مغادرة ترامب للرياض، تم عقد اجتماع بين مسؤولين في الحكومة الإماراتية لمناقشة خطة لقرصنة وكالة الأنباء القطرية وبث بعض الأخبار التي يمكن من خلالها اشعال أزمة بين الدول الخليجية وحكومة الدوحة، وهو ما تم بالفعل بعد ذلك الاجتماع بيوم واحد.

التقدير الخاطئ في موازين القوى

ربما كانت النقطة الخادعة لدول الحصار في هجمتها على قطر هو تقديرها الخاطئ لموازين القوى داخل واشنطن، فوفق ما تردد عن السفير الاماراتي في واشنطن يوسف العتيبة وحجم العلاقات والنفوذ التي يتمتع بها بين رجال السياسة الأمريكية لاسيما علاقته بصهر الرئيس الأمريكي ومستشاره جاريد كوشنر، وبعد الصفقات الضخمة التي وقعها ولي العهد السعودي، ظنّا أن ذلك كافياً لانتزاع الموافقة الأمريكية والحصول على الضوء الأخضر للإقدام على ما يرونه تجاه قطر.

إلا أن المؤسسات الأمريكية كان لها حسابات أخرى، فهي لطالما رأت في الخليج مركزاً لنفوذها وتواجدها العسكري، كما أنها ترى مجلس التعاون وأعضاءه كتلة واحدة لطالما أرادت أن تُحافظ عليها وعلى كلٌ منها على حدا، فيقول الباحث المتخصص في الشؤون السياسية الأمريكية محمد المنشاوي لـ «انحياز»: «إن للبنتاجون علاقات وطيدة وممتدة مع كل دول مجلس التعاون، وللبنتاجون تواجد على الأرض داخل كل هذه الدول، ولا يضطر البنتاجون لتفضيل علاقته مع دولة ما على حساب علاقاته الأخرى. ولا يمكن لواشنطن أن تعادي دول تحصل على سلاح أمريكي. من هنا ليس هناك تغلب لعلاقات البنتاجون مع دولة عن أخرى».

لذا فبالرغم من نجاح دول الحصار في كسب ود البيت الأبيض درجة أن يعتقد وزير الخارجية الأمريكي بأن الهجوم الذي قام به الرئيس ترامب على الدوحة كان من تخطيط وتنفيذ يوسف العتيبة وهو من كان يكتب التغريدات ضدها عبر حسابه على تويتر، إلا أن المؤسسات كان لها توجه أخر وذلك عبر وزارة الخارجية ووزارة الدفاع وأجهزة المخابرات التي سارعت في إعادة الميزان إلى وضعه السليم من وجهة نظرها وذلك بتصريحات المسؤولين في تلك المؤسسات والتحركات السريعة لهم وإعلان رفضهم لأي تصعيد ضد قطر، ووصف مطالب دول الحصار بغير الواقعية، وبدءمناورات عسكرية أمريكية قطرية والاعلان عن إتمام صفقات تسليح قديمة والاتفاق على غيرها، وهو ما يعني رفض قاطع لأي مغامرة عسكرية ضد حكومة الدوحة، لتنتهي إجراءات دول الحصار عند تلك النقطة وبداية التقهقر.

نتائج الحصار الفاشل

بجانب فشل تلك الهجمة في تحقيق نتائجها ضد قطر، إلا أنها كان لها نتائج وتداعيات أخرى لم يرد في خاطر دول الحصار حدوثها، فبجانب تعظيم موقف النظام القطري دولياً وداخلياً بعد ادارته للأزمة بهدوء وحكمة والظهور بمظهر المعتدى عليه الراغب في السلام، فقد عززت تلك الأزمة من العلاقات القطرية الإيرانية والتركية، فبعد الحصار البري والجوي على الدوحة أجبرت دول الحصار قطر على توثيق العلاقات مع النظام الإيراني لكونه المنفذ الوحيد له على العالم وصارت العلاقة الزامية وهو ما كان له أثر على الجانب الأخر بدعم نفوذ وعلاقات إيران –عدو السعودية اللدود –داخل دول الخليج، وكذلك إنشاء القاعدة العسكرية التركية التي لجأت إليها الدوحة لتعزيز قوتها وتحالفاتها وتأمين نفسها من أية مفاجآت وهو النفوذ التركي الكبير داخل الخليج الذي لم تكن تحلم أنقرة بمثله، كل ذلك بالإضافة إلى اضعاف النفوذ والوجود الاماراتي داخل واشنطن بسبب موقفها ذلك وبسبب التسريبات التي خرجت خلال الأزمة للسفير يوسف العتيبة والتي أوضحت كثير من التدخلات في السياسة والشؤون الداخلية الأمريكية والذي لم تقبل به مؤسسات المخابرات.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...