الفكر الوهابي: أداة سعودية للتدخل في الجزائر

محمود شعبان

0 374

كامتداد لسلسلة الاجراءات التي تقوم بها الحكومة الجزائرية ضد التيار السلفي الذي يظهر بوضوح في المشهد الديني والسياسي هناك، ويمثله هناك الفكر المدخلي, أغلقت وزارة الأوقاف مسجد الرحمة في مدينة وهران الأسبوع الماضي، محملة المسؤولين على المسجد مسؤولية نشر الفكر الوهابي الذي يتضاد مع المذهب المالكي المعتمد في الجزائر.

يتضح من الخلاف بين الحكومة والتيار السلفي أنه ليس مبعثه مفاهيم الولاء والبراء المرتبطة بالفكر الوهابي المعروفة، إنما مخاوف نابعة من خشية الحكومة من زحف الفكر الوهابي المنسوب الى المملكة العربية السعودية نحو المذهب المالكي وابتلاعه ومن ثم تغيير هوية البلد المغاربية بالكامل، وهو أحد إشكاليات الخلاف الجلية بين الجزائر والسعودية منذ عام 2000، هذا بحسب الإمام محمد شنف إمام مسجد ورش في مدينة وهران، في حديثه لـ «انحياز».

وهو الاشتباك الذي دفع وزير الشؤون الدينية الجزائري محمد عيسى، الدكتور في علوم الشريعة والمستشار الديني السابق، في إبريل/نيسان 2016، لإعلان الحرب على من أسماهم «السلفيين الوهابيين» منذ اعتلائه سدة الوزارة.

وتتقلب الحالة الفكرية السلفية في الجزائر ما بين ثلاث مدارس جوهرية، أولاها السلفية الحركية التي مثّلها سابقا القيادي في جبهة الإنقاذ والمعارض الشهير علي بلحاج، والمصنّف سياسياً بأنه أحد الاقطاب المعادية لتوجهات السعودية في الجزائر، يليها السلفية الجهادية وهي التي يمثلها الموالون لتنظيم القاعدة في الجزائر، وثالثها السلفية العلمية التي يمثلها الشيخ محمد فركوس، وهو المسؤول الأول وفقاً لكثير من التقارير التي تتبنى الحالة الدينية في الجزائر، عن إدخال الفكر الوهابي السعودي إلى الجزائر، وخوضه عشرات المعارك مع القطب السلفي علي بلحاج من أجل نشر هذا الفكر في الجزائر.

حلقات العلم السلفية واستقطاب شباب الجزائر

كان لمنطقة الحجاز، ومنها المدينة المنورة، ميراث مهم في تشكيل التيار السلفي الوهابي في الجزائر، خاصة مع وفود مئات الطلاب الجزائرييين إلى الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، فضلا عن حلقات العلم في المدينة التي تعتبر معقلاً للتيار السلفي، وفيها تخرّج الكثير من المشايخ الذين صاروا فيما بعد أقطاباً للتيار السلفي الجديد في الجزائر، منهم الشيخ محمد علي فركوس إمام وخطيب مسجد الهداية الإسلامية، ثم العيد شريفي أستاذ بكلية العلوم الاسلامية، والشيخ عبد الغني عويسات، والشيخ عبد المالك رمضاني.

ومع انفراج أزمة جبهة الانقاذ عام 1992 التي راح ضحيتها آلاف الجزائريين، أقدمت الحكومة الجزائرية على احتضان التيار السلفي لخلق ظهير ديني جديد تستطيع الدولة الاتكاء عليه في صراعها مع باقي الإسلاميين، لتبدأ الحكومة في تبني خطاب التيار السلفي بشكل واسع مع إفساح المجال لهم للتغول داخل المجتمع الجزائري إلى أن تنبهت، فانقلبت عليهم الحكومة الجزائرية مرة أخرى مع بدايات عام 2000، واستمر الصراع بين التيار الوهابي والحكومة الجزائرية حتى يومنا هذا.

الإجراءات الأمنية في مواجهة الزحف الوهابي

إجراءات الحكومة الجزائرية لوقف زحف التيار السلفي في الحياة العامة، وفي المساجد خاصة لم تمنع من انتشار الفكر السلفي بشكل كبير، حتى أنه في منتصف 2015 نشر تقرير أمني منسوب إلى الحكومة الجزائرية يتضمن ما نسبته 45% من 17 ألف مسجد بالجزائر، يلتزمون بالمذهب المالكي، وهو المذهب الرسمي في البلاد، في حين أن السلفيين يسيطرون على باقي المساجد في البلاد حتى أن وزير الشؤون المدينية محمد عيسى قال في تصريح له آنذاك أن 55 مسجداً بالعاصمة الجزائر يؤمه سلفيون «لا يلتزمون بالمرجعية الوطنية»ليقوم بعدها الوزير بوضعهم تحت المراقبة الأمنية والدينية. ويتبع ذلك بقوله أن الوزارة «تنوي وضع كافة المساجد في الدولة المغاربية تحت المراقبة».

ووفقا للإحصائيات التي تخص انتشار كل تيار سلفي في الجزائر، فقد ذكرت صحيفة الوطن الناطقة بالفرنسية في تقرير لها في منتصف 2015 أن 20% من المساجد تسيطر عليها السلفية العلمية، و20% تتبع «التيار المالكي الجديد»، و10% بلا توجه، و5% أئمتها من تيار الإخوان المسلمين.

بصمات رجال الأعمال في اختيار أئمة المساجد

في الوقت الذي تترك الحكومة الجزائرية المجال واسعا اما قطاعات كبيرة من رجال الاعمال للمشاركة في بناء المساجد، وتلقي دعم المواطنين من خلال التبرعات، للانتهاء من بناء المساجد، فقد كان ذلك ملعباً يستطيع «المقاول» الذي يشرف على بناء المسجد أن يحدد هوية المسجد الفقهية المستقبلية.

يتولى رجل الأعمال بناء المسجد بعد حصوله على كافة الموافقات من الحكومة الجزائرية، ليتولى بعدها المقاول انشاء المسجد اعتمادا على تبرعات الأهالي لينتهي في النهاية، إلى تحكم المقاول في الأمام والخطيب الذي سوف يتولى ادارة المسجد، وتصبح يد المقاول هي العليا في تحديد هوية الإمام الفقهية، وهو ما تسبب طيلة الفترة السابقة إلى تغول الفكر السلفي من خلال اختيار أئمة تابعين للفكر الوهابي لإدارة المساجد، اعتماداً على التبرعات التي تقدم من جانب الافراد لبناء المساجد ويشارك في جزء كبير منها رموز سلفية درسوا في المدينة المنورة وظهرت عليهم مظاهر الغنى الفاحش بعد العودة من السعودية. خاصة وانه وفقا لتتبع الحالة السلفية في الجزائر فإنها لاقت قبولاً كبيراً وراجت أفكارها في المناطق الفقيرة في الجزائر سواء في العاصمة أو المدن المختلفة.

وينتشر الفكر الوهابي، ويمثله التيار المدخلي في الجزائر، في مئات المساجد في غرب ووسط الجزائر، أما الجنوب فتسيطر عليه التيارات الصوفية والأشعرية. وينتشر في الجزائر مصحف رواية ورش، وهو ما دفع الحكومة الى وقف ومصادرة كافة المصاحف التي دخلت الى الدولة بدعم من السعودية، وكانت كلها برواية حفص.

محاضن الفكر السلفي في مدارس القرآن

رواج التيار السلفي في الجزائر وفّر مناخاً جيداً لا بأس به من تولي محسوبين على التيار المدخلي إدارة المدارس القرآنية وبث أفكارهم في عقول الطلاب من بنين وبنات وحتى نساء، وهو ما جعل الدولة تتخذ إجراءات كثيرة لوقف ذلك.

وقد ظهرت المدارس القرآنية حينما تم تأسيس جمعية التربية والتعليم الاسلامية، وهي التي خرجت من رحم جمعية العلماء المسلمين التي تأسست في العام 1930 على يد كل من البشير الابراهيمي وعبدالرحمن بن باديس لتنتشر في ربوع البلاد بعد ذلك طيلة عشرات السنوات الفائتة.

ووفقاً للتاريج الجزائري فإن المدارس القرآنية لعبت دوراً كبيراً في الحفاظ على المرجعية الإسلامية للجزائريين في الفترة الاستعمارية الفرنسية، وحمت اللغة العربية في مواجهة الحملة الفرنسية للقضاء على العربية والإسلام. وساهمت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في نشر هذه المدارس للحفاظ على الهوية الجزائرية.

واتسعت مساحة المدارس القرآنية عبر الولايات، بإشراف وزارة الشؤون الدينية.و نجحت في استقطاب الكثير من الفئات وتمكينهم من الحصول على الأساس اللغوي الأول من الحروف والأرقام والمحفوظات الدينية، ومن تلك المدارس، المدرسة القرآنية التابعة لمسجد الشيخ محمد البشير الإبراهيمي بالعاصمة الجزائرية، التي تستقطب أكثر من 20 تلميذاً تعلموا سوراً وآيات قرآنية على يد إمام المسجد.

خطوات تأطير المدارس القرآنية

إلا أنه في مارس/آذار 2017، بدأت كل من وزارة التربية والتعليم بالتنسيق مع وزارة الاوقاف، في ما يسمى بتأطير المدارس القرآنية المتواجدة في المساجد، ووضع برامج تربوية لتلك المدارس بالتنسيق مع مديريات الشؤون الدينية التابعة لوزارة الشؤون الدينية والأوقاف. في محاولة لتأميم المناهج والسيطرة الكاملة على هذه المساجد بسبب زحف الفكر الوهابي على مناهج المدارس، وهو ما سوف يغير بوصلتها من تبني المذهب المالكي للمذهب السلفي، لتصبح المدارس فيما بعد مفارخ للفكر الوهابي السعودي.

صاحب خطوات الإغلاق تصريحات لوزير الشؤون الدينية والأوقاف محمد عيسى في أكتوبر/تشرين الأول 2016 حينما حذر من تجاوزات تحدث بالمدارس القرآنية، والخاصة منها على وجه التحديد التي تقع خارج رقابة وزارته، كما اتهمها بتعليم الطلاب مرجعية دينية مخالفة لمرجعية الجزائريين، وهو ما فهمه البعض أن المدارس باتت خارج سيطرة الدولة بالكامل.

تغدق السعودية من جانبها الأموال على المدارس والمشرفين عليها، وهو ما يلاحظ بشكل كبير من خلال المستوى المادي الذي تتمتع به المدارس في المحافظات المختلفة في الجزائر، فضلا عن المشرفين المعنيين بتدريس المناهج المختلفة.

ومن ثم، فعوضاً عن إقدام المملكة العربية السعودية على تقديم بدائل فكرية واضحة الملامح بعيداً عن ابتلاع تجارب حقيقية قائمة، تدغدغ المملكة العربية السعودية مشاعر واحتياجات المناطق المحتاجة مالياً في الجزائر، ساعية من وراء ذلك إلى أن يلعب المال دوره في ازدهار التيار المدخلي في الجزائر من خلال المساجد وما يلحق بها من مدارس قرآنية، لتصطدم في تطلعاتها الواضحة مع خطوات الحكومة هناك التي تسعى جاهدة إلى بتر أي روافد تغذي الفكر السلفي هناك.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...