الإمارات والإخوان: صراع الدعوة والسياسة وأمن الحكم

0 260

في الخامس من يونيو/حزيران الماضي أعلنت عدة دول على رأسها دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية قطع العلاقات مع قطر وإغلاق المنافذ الحدودية معها، واتهم البيان الإماراتي الدوحة بمواصلة دعمها وتمويلها واحتضانها للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة والطائفية وعلى رأسها جماعة الاخوان المسلمين.

سبق ذلك ما تم تأكيده من قبل السعودية والإمارات في الرياض فيما أطلق عليها القمة العربية الإسلامية الأمريكية بخطابات تركز على مكافحة الإرهاب وأهمية التعاون الاستراتيجي مع أمريكا لمكافحة الإرهاب في العالم، وخصّت كلمة دولة الإمارات المتحدة جماعة الإخوان المسلمين دون غيرها بالهجوم ووصفتها في بيانها الرسمي بالتطرف وأنها تلعب دورا مشبوها ذا أهداف سياسية وأنها الأرضية التي ساهمت في صعود خطاب التطرف والإرهاب.

أحلام البدايات بين تأسيس دولة الإمارات وتأسيس جمعية الإصلاح

تأسست دولة الإمارات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول عام ١٩٧٢ مع أحلام وطموحات عريضة، ووضعت دستورها المؤقت والذي أصبح دائما في عام ١٩٩٦ والذي نص في ديباجته على أنها «تعد شعب الاتحاد في الوقت ذاته للحياة الدستورية الحرة الكريمة، مع السير به قدما نحو حكم ديمقراطي نيابي متكامل الأركان، في مجتمع عربي إسلامي متحرر من الخوق والقلق»، وأكد الدستور في أكثر من موضوع على أهمية حماية حقوق وحريات شعب الاتحاد إضافة لحفظ الأمن والاستقرار ودفع العدوان وتحقيق التعاون وتوفير الحياة الكريمة للمواطنين، كما نصت المادة ٢٦ أن «حرية الرأي مكفولة لجميع المواطنين، ولا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حجزه أو حبسه إلا وفق أحكام القانون. ولا يعرض أي إنسان للتعذيب أو المعاملة الحاطة بالكرامة»، وأكدت المادة ٣٠ على «حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير مكفولة في حدود القانون»، وفي المادة ٣٣ «حرية الاجتماع وتكوين الجمعيات مكفولة في حدود القانون».

أما عن جماعة الإخوان المسلمين في دولة الإمارات فلم يفصل بين تبرع الشيخ راشد آل مكتوم بتكاليف تأسيس جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي المعبرة عن الجماعة في عام ١٩٧٤ وبين صدور قرار حل مجلس إدارتها وإسناد كافة الفروع لإشراف وزارة الشئون الاجتماعية الإماراتية عام ١٩٩٤ سوى عشرين عاما فقط.

تمتع الإخوان المسلمون في الإمارات في البداية بعلاقات جيدة ومؤثرة في دولة الإمارات منذ تأسيس الاتحاد، ففي أول حكومة بعد تأسيس دولة الإمارات عام ١٩٧١ كان وزير الإسكان من الإخوان المسلمين، وفي عام ١٩٧٧ أصبح منهم وزيرا للعدل والشئون الإسلامية والأوقاف، وفي عام ١٩٧٨ تأسست مجلة الإصلاح المعبرة عن الجمعية، وفي عام ١٩٧٩ اختير وزير آخر محسوبا على جماعة الإخوان في وزارة التربية والتعليم.

واقع أمني وتأثير سياسي

لم تتحول الآمال والصورة الوردية للسير نحو نظام ديمقراطي نيابي مكتمل الأركان إلى واقع، فالسلطة عمليا أصبح لها منطق آخر ليس له علاقة بأي انتخاب حر مباشر سواء كان في رئيس الاتحاد والمجلس الأعلى للاتحاد (صوت واحد من كل إمارة) أو مجلس وزراء الاتحاد (السلطة التنفيذية) أو المجلس الوطني الاتحادي (أشبه بالسلطة التشريعية).

كما أن رئيس الاتحاد يتمتع بصلاحيات واسعة، ومنها أنه يقوم بتعيين رئيس مجلس الوزراء والممثلين الدبلوماسيين وإقرار القوانين والمراسيم، كما أنه في حال اعتراض المجلس الوطني الاتحادي يحق لرئيس الاتحاد أن يصادق على القانون ولا يقبل تعديلات المجلس بنص الدستور نفسه «فإذا أجرى المجلس الوطني الاتحادي أي تعديل ولم يكن هذا التعديل مقبولا لدى رئيس الاتحاد أو المجلس الأعلى كان لرئيس الاتحاد أن يصدر القانون بعد مصادقة المجلس الأعلى عليه»، يذكر أيضا أن المجلس الأعلى للاتحاد يتخذ قراراته بالأغلبية على أن يكون من ضمن الأغلبية إمارة دبي وأبو ظبي!

أما عن جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي فقد تلخصت أهدافها في العناية بمبادئ الإسلام، وإصلاح المجتمع وتقوية أواصره، ومشاركة المجتمع في الإصلاح دعويا وتربويا وثقافيا وتعليميا واجتماعيا، وإعداد الجيل الصالح، وتشجيع أعمال البر، والعمل على إيجاد حلول للمشاكل المجتمعية وتعزيز حب الوطن والاهتمام بقضايا العالم الإسلامي.

أصبح للإخوان بشكل مبكر نشاطا بارزا في الحياة الإماراتية بفضل علاقتهم ودورهم وتواجدهم في المجتمع، كما أن مجلة الإصلاح خاضت حملات مكثفة تجاه ما اعتبروه مظاهرا للتغريب والغزو والفكري، وكانت هناك مواجهات للحد من التأثير القومي واليساري، وكانت وزارة التربية والتعليم ساحة من ساحات التعبئة والتأثير في الرأي العام، وعرفت الإمارات سجالات واستقطابات تتعلق بحصص الموسيقى وتعليم الرقص وتوحيد اللباس وخطورة التغريب والغزو الفكري، كما كانت هناك الحملات والرسائل الموجهة إلى المجلس الأعلى تدعوهم لتولية الصالحين، وتنظيف البلاد من الفساد والمفسدين، وإنفاق أموال البترول في سبيل الله وفي طاعته، وكان هناك تأثير كبير أيضا داخل الأنشطة الطلابية والاتحادات، كما قاومت المحاولات التي حاولت من خلالها حكومة الإمارات تقليل النفوذ الإخواني داخل وزارة التربية والتعليم، قبل أن تزداد حدة التوتر.

أصبحت جماعة الإخوان المسلمين إذًا أقوى جماعة مدنية منظمة داخل البلاد، ولها قدرات على التعبئة والتأثير في دولة سمحت بهامش من الحرية، لكنها لم تكن دولة ديمقراطية ولم تكن تتجه أروقة الحكم إلى نظام ديمقراطي كما أقر الدستور.

حان وقت الضربات الأمنية

استشعرت الدوائر الأمنية النافذة -والتي أصبح لها دور كبير متحكم في دولة الإمارات- خطورة جماعة الإخوان الظاهرة والتي يمكنها التأثير في مجريات الأمور أو استغلال أي ظرف قد يحدث للتأثير في الحكم، وبرغم أن القضايا التي شغلت الإخوان لم تكن تتعلق بملفات الحكم والأمن بل بملفات اجتماعية ودعوية إلا أنها كانت مؤشرا كافيا على ولادة رصيد سياسي كبير لن يروق لأمن الحكم.

لذا في عام ١٩٨٨ جاءت أولى الضربات بمنع صدور مجلة الإصلاح لمدة ستة شهور، مما ساهم نسبيا في تقليل حدة لغتها لاحقا، وفي عام ١٩٩٤ زادت حدة التوتر وقامت الحكومة بحل مجلس إدارة جمعية الإصلاح وإسناد كافة الفروع لإشراف وزارة الشئون الاجتماعية فيما عدا فرع رأس الخيمة بسبب العلاقات الحميمية مع حاكم الإمارة في هذا الوقت، وحدثت بعض التوترات بين إمارة رأس الخيمة وإمارة أبو ظبي بسبب دعم الإمارة لرفض قرار إقالة رئيس فرع الجمعية من منصبه، وفي عام ٢٠٠٣ بدأت عمليات نقل واسعة تتم داخل وزارة التعليم شملت أكثر من ١٧٠ من الإخوان المسلمين وتمت إحالتهم إلى دوائر حكومية أخرى.

في عام ٢٠٠٣ حدثت لقاءات بين قيادات بالجماعة وبين نائب ولي عهد أبو ظبي في هذا التوقيت الشيخ محمد بن زايد، وبرغم ما قيل إنها حوارات جيدة إلا أنها لم تسفر عن اتفاق بين الدولة الأمنية وبين طبيعة الدور الاجتماعي والسياسي غير المتوائم مع العقلية الأمنية في الحكم.

وبسبب الفشل في الوصول إلى صيغة مشتركة ظلت الاتهامات تطلق من قبل منظومة الحكم على الإخوان بالتبيعة لمرشد الإخوان في مصر والبيعة وعملها ضد الدولة والإرهاب إلخ، وفي عام ٢٠٠٩ أعلن النظام المصري عن قضية تتعلق بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وشملت ثلاثا من الإماراتيين قالت السلطات المصرية أنهم شاركوا في تمويل أعمال إرهابية.

الشعرة التي قصمت ظهر البعير

كان عام ٢٠١١ هو عام الحسم والفصل بعد التوترات السابقة، فقد حمل عام ٢٠١١ ثلاثة أمور أفقدت العقلية الأمنية في دوائر الحكم صوابها، الأول كان أحداث الربيع العربي في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، والتي سلطت الضوء على كيف يمكن أن تهتز أنظمة كبرى أمام الجماهير، والثاني كان على إثر موجات الربيع العربي حيث تقدم ١٣٣ مواطنا بينهم ليبراليون وإسلاميون ومن بينهم أعضاء في جمعية الإصلاح بتوقيع عريضة سميت بـ”دعوة الإصلاح” موجهة إلى الرئيس الشيخ خليفة بن زايد والمجلس الأعلى للاتحاد باقتراح بسيط حيث طالبوا بتقديم تشريع يوسع سلطات المجلس الوطني الاتحادي ليكون عن طريق الانتخاب، الثالث هو ما قيل عن محاولة انقلاب فاشلة من الأمير حمدان بن زايد آل نهيان تم كشفها من قبل الشيخ محمد بن زايد بمنتصف عام ٢٠١١.

كشرت الدولة الأمنية عن أنيابها بشكل أكبر حاملة في جعبتها ضيقا مسبقا لتأثير جماعة الإخوان الاجتماعي، وخصومة مع الديموقراطية، والآن حربا على ما يقال أنه ربيع عربي قد يطيح بالجميع، فبدأت حملات عنيفة واضحة من الاعتقالات والمحاكمات السرية وسحب الجنسيات والأحكام المشددة التي وصلت أحيانا إلى خمسة عشر عاما، شابت المحاكمات السرية والتخويف ومنع مراقبين قانونيين دوليين ووسائل إعلام أجنبية من المشاركة، ولم يسمح بحضور سوى وسائل الإعلام المحلية.

شيطنت الأجهزة الأمنية جماعة الإخوان المسلمين بالإمارات، وبدت أنها وجدت لنفسها عدوا ظاهرا ومعركة مقدسة من أجل تأمين أركان الحكم، وساعدها أن جماعة الإخوان المسلمين بالإمارات جماعة مدنية كانت تنافس الدولة في النطاق الخيري والاجتماعي والدعوي، حتى حين تعلق الأمر بمطالب سياسية كانت تكتفي برفع العرائض لدوائر الحكم والتعبير عن مطالبها مستفيدة من هامش الحرية دون أن يكون لها آليات وأدوات تناسب المطالب السياسية، مما جعل الأمر -رغم أنه مقلق للأجهزة الأمنية- مغريا بحسم الأمر وسهولة سحقها من قبل الأجهزة الأمنية.

بالغت السلطات الإماراتية في اتهامات التخوين والعمالة وما قالت إنها اعترافات بوجود جناح مسلح يهدف لقلب نظام الحكم -بلا أي دليل مادي-، وظلت ترتفع وتيرة المواجهات حتى أعلنت بشكل رسمي عن تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية في عام ٢٠١٤، وكانت المملكة العربية السعودية قد اتخذت إجراء مماثلا في مارس من عام ٢٠١٤.

حاولت السلطات الإماراتية أن ترسل الإشارات على أن هذا الأمر ليس تكتيكيا ولا مرحليا، وأنها ذاهبة إلى أبعد مدى مهما كلفها الأمر، مثل ما قامت به من عملية اختطاف الشيخ عبد الرحمن خليفة سالم بن صبيح –المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين- في ديسمبر ٢٠١٥ من إندونيسيا من قبل أفراد من سفارة الإمارات وآخرين من المخابرات الاندونيسية، وتم ترحيله ليقضي فترة حبسه بعد الحكم عليه غيابيا في يوليو ٢٠١٣ بالحبس ١٥ عاما فيما عرف بقضية الإمارات ٩٤ ، ولم يظهر بعد الاحتجاز والمحاكمات بشكل علني إلا في يوليو عام ٢٠١٧ على شاشات التلفاز في حوار يطعن في تنظيم الإخوان وقطر، ليتم توظيف المقابلة في سياق حصار قطر وتدعيم رواية الأجهزة الأمنية الإماراتية بالممارسات الإرهابية لتنظيم الإخوان ودعم قطر لها.

كلمة السر في تفسير ما تقوم به الإمارات

يمكننا القول إن الصراع في الدولة الناشئة كان بين اتجاهين، اتجاه تنامي داخل الحكم -خاصة من إمارة أبو ظبي- يعتمد على تنمية الأجهزة الأمنية وتثبيت الحكم بشتى الطرق دون أن يكون معنيا بتحقيق الغاية من الدستور بالوصول لحكم ديمقراطي، وبين تنظيم دعوي له رصيد كبير بين الناس وفي الشارع السياسي، ولديه قدرة على التعبئة والتأثير والتعبير عن المعتقدات المحافظة ويشكل -نوعا ما- ممانعة لواضع السياسات في الدولة.

وأمام الخوف الأمني من الجماهير والديمقراطية والحريات والربيع العربي وصراعات الحكم بين أروقة الطامحين من داخل عائلات الإمارات فقد سادت العقلية الأمنية التي جعلت من جماعة الإخوان المسلمين في الداخل والخارج خصما استراتيجيا لها.

لقد عبرت دولة الإمارات عن هذا الصراع بشكل واضح وكأنها تكشف كلمة السر فيه فيما سميت بالقمة العربية الإسلامية الأمريكية بالرياض، فتباهت بأنها اعتمدت «رؤية شاملة لمكافحة التطرف والإرهاب بالمعنى الواسع والمعمق من خلال تبني استراتيجية وطنية متعددة الأبعاد، تقوم على اعتماد تصورات طويلة الأمد وخطط تنفيذية تضمن اجتثاث جذور التطرف والإرهاب من المجتمع الإماراتي. والمحافظة على روح الولاء والانتماء للدولة من خلال تبني المنهج الوقائي والمعالجة الاستباقية»، وبالتالي فإن ما تقوم به دولة الإمارات – وفق رؤيتها – هو عمل وقائي ومعالجة استباقية بمحاربة كل من له صلة بالتأثير في الجماهير ما دام ليس تابعا أو داعما لمنظومة حكمها.

لذا فإنه بالنهاية يمكننا القول إن دولة الإمارات عجزت عن ابتكار منظومة سياسية تتقدم بها خطوات باتجاه الحريات والتمثيل الديمقراطي وتقوية المجتمع وليس أمن الحاكم فقط، فرضخت للإغراءات القمعية الأمنية لتثبيت أركان الحكم.

كما أن جماعة الاخوان المسلمين عجزت عن تحديد دورها بدقة، وبالتالي وضع الاستراتيجيات المناسبة لدورها وللتعامل مع دوائر الحكم، فالطبيعة الدعوية لها آليات وأدوات واستراتيجيات، وطبيعة إصلاح الحكم والتأثير السياسي فيه -خاصة في دول أمنية غير ديمقراطية- تتطلب أسلوبا مغايرا، فالطبيعة الأولى قد تظهر كل مكامن قوتك للأجهزة الأمنية والتطلعات الثانية كافية لأن تجعلك هدفا وصيدا سهلا لتفترسك الأجهزة الأمنية بلا رحمة.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...