شهرين من العزلة: كيف تأثر اقتصاد قطر والدول المقاطعة؟

0 79

بعد شهرين من قرار الدول العربية بفرض نوع من العقوبات تجاه قطر في صورة مقاطعة للتعامل الدبلوماسي والاقتصادي معها، وفي خطوة، بدت من قبل الدول العربية المقاطعة لقطر على أنها تصعيدية؛ تقدمت قطر بشكوى رسمية لمنظمة التجارة العالمية ضد الدول المقاطعة لها، واصفة الحصار الاقتصادي الذي فرضته عليها كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر بأنه انتهاكاً واضحاً لقوانين التجارة الدولية. فيما ترى الدول المقاطعة أن العقوبات لا تتعارض مع اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، وأنها تتماشى مع المادة 21 والمادة 14 من الاتفاق العام بشأن التجارة في الخدمات، والمعروف باسم «الاستثناءات الأمنية»، الذي يسمح للدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية باتخاذ إجراءات ضد دولة أخرى تهدد أمنها واستقرارها.

وكانت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، قد أعلنت في 5 يونيو/حزيران 2017، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع قطر، وفرضت الدول الثلاث الأولى إجراءات عقابية عليها، لاتهامها بـ «دعم الإرهاب»، وهو ما نفته قطر، وفي يوم 22 من الشهر ذاته، قدمت الدول الأربع لائحة من 13 مطلباً تتضمن إغلاق قناة الجزيرة وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وهو ما رفضته قطر. وترتب على النزاع السياسي والاقتصادي أثر كبير بالطبع على الاقتصاد القطري، وكان الأثر الأبرز على اقتصاد قطر حتى الآن هو انخفاض قيمة الشركات المتداولة في البورصة، فضلاً عن انخفاض السياحة، وهي صناعة تعتمد اعتماداً كبيراً على زوار دول مجلس التعاون الخليجي، لكن تلك القطاعات من السهل معالجتها في وقت قصير، لذا سنحاول التركيز على دراسة أثر المقاطعة على الجانب التجاري والنقدي في الاقتصاد القطري.

أما عن الدول المقاطعة، وإن كانت تنكر تأثر اقتصاداتها بقرار المقاطعة تجاه قطر، فهناك دلائل على أن المقاطعة أثرت على كافة الأطراف، خاصةً وأن الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي تعتمد بصورة كبيرة على الغاز الطبيعي المسال القطري، الذي يمثل على سبيل المثال 25٪ من الاستهلاك اليومي لدولة الإمارات العربية المتحدة. ومن ثم مازالت مستويات استهلاك الدول المقاطعة، من بين عوامل أخرى، عامل مُهم من عوامل عزم الدول العربية على اتخاذ إجراءات ضد قطر.

اقتصاد الدول العربية المقاطعة

عندما قادت الدول العربية فرض الحصار السياسي والاقتصادي على قطر خلال يونيو/حزيران الماضي، كانت هناك عواقب فورية، حيث ألغيت رحلات الطيران، تم طرد المواطنين القطريين من دول عربية، وأغلقت طرق الشحن، وفجأة أصبح المجال الجوي محظورا على الطيارين القطريين. ورغم ذلك كان للحصار أكبر الأثر العمالة الأجنبية، التي تُشكل نسبة لا يُستهان بها في قطر. كذلك هناك العديد من الشركات الخليجية- وخاصةً الإماراتية- العاملة في قطر، ومن ثم أثرت المقاطعة بصورة كبيرة على سير أعمالها في قطر.

وكان تقرير نشرته بلومبيرغ، قد ذكر أن استثمارات الدول التي اتخذت قرار حصار قطر تواجه مصاعب اقتصادية، إذ تشهد معظم أسواق الأسهم هبوطاً حاداً في منطقة الخليج، كما أورد التقرير أنّ «شركة الخليج للسكر»، أكبر مصفاة للسكر في العالم، الموجودة في الإمارات، هي من أبرز الخاسرين من جراء الحصار، وشرح التقرير أن المملكة العربية السعودية والإمارات توقفتا عن تصدير السكر الأبيض إلى قطر. كما تعتمد شركة المراعي السعودية لإنتاج الألبان على دول الخليج بأكثر من ربع إيراداتها المالية.

وقالت بلومبيرغ، في تقرير آخر، إن بعض البنوك العالمية التي لها مكاتب في دبي بدأت تنقل جزءاً من خدماتها المصرفية من الإمارة إلى لندن ونيويورك، مما يؤكد على أن الأزمة تسببت في حدوث مخاطر على البيئة الاستثمارية في الخليج والصناعة المالية، وكذلك على مجريات التجارة والاستثمار حيث خسرت الشركات السعودية والإماراتية خطوط إمدادها وتجارتها مع قطر لصالح شركات تركية وإيرانية وعمانية، وبعضها يبحث حالياً عن استعادة هذه الخطوط التجارية عبر التعاقد مع شركات تركية.

كذلك غيرت الأزمة القطرية من نظرة دول العالم إلى الكيان الخليجي باعتبارة كتلة سياسة واقتصادية ونقدية موحدة، ومن ثم يؤثر ذلك على قبلة المستثمرين الأجانب الذين ياخذون في اعتبارهم حسابات المخاطر السياسية التي من شأنها أن تُلقي بظلالها على أعمالهم في المنطقة، بالتالي قد تُغير الأزمة منظور هؤلاء المستثمرين في التعامل مع المنطقة مقارنة بنظرتهم للاستثمار والتعامل التجاري مع المنطقة في وقت سابق.

الاقتصاد القطري

مؤخراً، كثر الحديث عن مدى تأزم الاقتصاد القطري في ضوء الحصار الذي فرضته الدول المقاطعه، وتقول للتقارير الصحافية الأخيرة؛ إن اقتصاد قطر سيُقق خسائر فادحة إذا استمرت المقاطعة الخليجية طويلاً، كما سيشعر المواطنون وسكان قطر بتبعات قاسية من جراء ارتفاع أسعار الواردات وشح في توافر بعض السلع، ناجم عن تعنت الموقف القطري الذي سيفاقم الأمور إلى مقاطعة اقتصادية أوسع. ولتقيم أداء الاقتصاد القطري، سنتعرض لعدد من الجوانب أهمها الأداء التجاري للدولة، وحجم الاحتياطات النقدية بالبلاد، فضلاً عن حركة إنتاج وتصدير الغاز، الذي يمثل نسبة 80% من عائدات الدولة.

1. الجانب التجاري

أظهرت بيانات التجارة الخارجية عن شهر يونيو/حزيران عام 2017، ارتفاع إجمالي الصادرات القطرية، المتضمنة الصادرات ذات المنشأ المحلي وإعادة التصدير، إلى  18,4 مليار ريال قطري تقريباً أي بارتفاع نسبته 5.4% مقارنة بشهر يونيو/حزيران عام 2016، وبانخفاض نسبته 9.5% مقارنة بشهر مايو/آيار عام 2017.

ومن جانب آخر، تراجعت قيمة الواردات السلعية القطرية خلال شهر يونيو لعام 2017، لتصل إلى نحو 5,9 مليار ريال قطري وبنسبة 40.0% مقارنة بشهر يونيو/حزيران عام 2016، و انخفضت بنسبة 37.9% مقارنة بشهر مايو/آيار لعام 2017. وبالمقارنة مع شهر يونيو/حزيران عام 2016، ارتفعت قيمة صادرات أهم المجموعات السلعية المتمثلة في «غازات النفط والهيدروكربونات الغازية الأخرى» والتي تمثل «الغاز الطبيعي المسال والمكثفات والبروبان والبيوتان» لتصل إلى 11,9 مليار ريال قطري وبنسبة 15.8%، وانخفضت قيمة صادرات «زيوت نفط وزيوت مواد معدنية قارية خام» لتصل إلى ما يقارب مليار 2,4 ريال قطري وبنسبة 22.4%، وارتفعت قيمة صادرات «زيوت نفط وزيوت متحصل عليها من مواد معدنية قارية غير خام» لتصل إلى نحو 1,0 مليار ريال قطري و بنسبة 2.0%.

وفي ضوء ما سبق، حقق الميزان التجاري السلعي خلال شهر يونيو/حزيران فائضاً مقداره 12,5 مليار ريال قطري، مسجلاً بذلك ارتفاعاً قدره 4,9 مليار ريال قطري أي ما نسبته 63.6% مقارنة بالشهر المماثل من العام السابق 2016، وارتفاعاً مقداره 1,7 مليار ريال قطري تقريباً أي ما نسبته 15.3% مقارنةً مع شهر مايو/آيار الماضي.

ومؤخراً وقعت الحكومة التركية مذكرة تفاهم مع قطر لتعزيز التعاون فى قطاعى الزراعة والثروة الحيوانية الذى يتضمن عدة بنود فى مصلحة البلدين. وتشمل مذكرة التفاهم أيضاً تعزيز التعاون الاستثماري بين المؤسسات الخاصة والشركات في مجال التسويق الزراعي والتعاون في المشاريع المشتركة في مجال الري وحماية النباتات وإنشاء مختبرات بيطرية جنباً إلى جنب مع إنشاء مشترك لجنة توجيهية زراعية لرصد وتقييم التعاون. كذلك بدأت ثطر تنويع استثماراتها في الخارج لتشمل المراعي الخضراء لتربية الماشية بهدف تصديرها إلى الدوحة في وقت لاحق، ومن ثم تحقيق نوع من الاكتفاء الذاتي عن طريق الاستثمار في الخارج.

إذن، ما حققته قطر من تخفيض فاتورة وارداتها بنحو 40%، هو أمر يحتفى به في كثير من بلدان العالم على أنه إنجاز عظيم تكون الدولة من خلاله قد استطاعت أن تحقق حجم كبير من الفائض في الميزان التجاري، لكن في حالة قطر ذلك الوفر جاء بمساعدة قوى خارجية وهي الدول المقاطعة التي قطعت الطريق أمام تلك الواردات إلى قطر، ومن ثم كان الأمر مفروضاً على قطر وليست مُخيرة في ذلك، وإن كانت قطر قد تضطر لدفع مقابل أكبر مستقبلاً للحصول على بديل لتلك الواردات، فإن الأمر حتى الآن إيجابياً على الموازنة القطرية وليس هناك قلق يُذكر على الاقتصاد القطري في هذا الشأن.

2. إمدادات الغاز الطبيعي المسال

حتى الآن، لم تؤثر المقاطعة على صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال، ويعتبر هذا القطاع العمود الفقري للاقتصاد القطري، وباستثناء بعض الإعاقة في شحن النفط القطري بالسفن التي ترسو في المرافئ الإماراتية، لم يحدث حتى الآن اختناقات في شحن الغاز الطبيعي المسال الذي تحتل قطر المرتبة الأولى عالمياً في تصديره. ومؤخراً خففت الإمارات الحظر المفروض على السفن القادمة من قطر إلى ميناء الفجيرة لتزويد الوقود؛ وطالما أن السفن لا ترفع أعلاماً قطرية وليست مملوكة لقطر، فسوف يسمح للسفن القادمة من قطر بالدخول إلى ميناء الفجيرة، وذلك يعني أن شركات الغاز الطبيعي المسال مثل جلينكور وفيتول وترافيجورا، التي تشتري كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال من قطر، ستسمح لها بمواصلة أعمالها مع قطر على الرغم من المقاطعة.

وحتى الآن، يستمر تدفق خط أنابيب دولفين للطاقة بين الإمارات وقطر بانتظام، وهذا الخط مسؤول عن ضخ 2 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي المسال إلى الإمارات بشكل يومي، ومن ثم ليس هناك دليلاً واضحاً على أن المقاطعة العربية تؤثر تأثيراً كبيراً على إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر ووصوله إلى السوق العالمية.

3. الاحتياطي النقدي

بالطبع أثرت المقاطعة على حجم الودائع بالبنوك القطرية، حيث انخفضت الودائع غير المقيمة فى 18 بنكاً قطرياً بنسبة 7.6% لتصل إلى 170,6 مليار ريال (47 مليار دولار) في يونيو، ويعد هذا الانخفاض هو الأكبر منذ نوفمبر 2015، ومن المنطقي أن تتعرض سيولة قطر المحلية لضغوط بسبب الخلاف الدبلوماسي، ودلك بالنظر إلى أن بنوك قطر قد ازداد اعتمادها على التمويل الخارجي في ظل انخفاض أسعار الطاقة. وتراجع الودائع أدى بالتبعية إلى انخفاض السيولة، وبالتالي استخدم البنك المركزي احتياطيات لتخفيف الأزمة والحفاظ على ربط الريال مقابل الدولار.

وفي المقابل، ارتفعت الودائع الإجمالية بنسبة 1.1% في يونيو بفضل قفزة في الأموال المحلية، حيث بدأت هيئة الاستثمار القطرية بضخ مليارات الدولارات فى البنوك القطرية منذ بداية المقاطعة لرفع مستوى السيولة النقدية وتخفيف أثر الصدمة المالية التى تعانى منها البنوك، ويُذكر هنا أن قطر تمتلك احتياطي نقدي يبلغ 340 مليار دولار بما في ذلك أرصدة صندوقها للسيادة الوطنية موزعاً بين 40 مليار دولار لدى مصرف قطر المركزي بالإضافة إلى الذهب- وتُفيد البيانات الأخيرة بتراجعه لنحو 24,4 مليار دولار- فيما تملك هيئة الاستثمار القطرية احتياطيات تبلغ 300 مليار دولار يمكن أن تم تسيلها. ومن ثم لا تزال قطر تمتلك أحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم، والتي تشمل حصصها حصصاً في شركات مثل جلينكور بي إل سي والمعالم العقارية مثل شارد في لندن.

وحتماً تتأثر قطر بشكل جزئي من انخفاض الاحتياطي، لكن ليس بالشكل الخطر الذي يستعدي التدخل السريع لانقاذ الاقتصاد، وذلك بسبب امتلاكها لمئات المليارات من الدولارات فى الصناديق السيادية. وقد تبدو المهمة الأصعب في الوقت الراهن، أمام تواجه المؤسسات القطرية المعنية بإيجاد أسواق جديدة لتزويدها بالسلع الغذائية عن طريق ممرات جوية وبحرية بديلة، وإن كان التعاون مع كل من تركيا وإيران ودول أخرى عن طريق إقامة جسر جوي قد خفف من حدة الأزمة التي كان من الممكن أن تلحق بالاقتصاد القطري، في ضوء قطع السُبل للوصول إليها بصورة مباشرة بسبب توقف حركة الطيران منها وإليها من قبل الدول المقاطعة.

وفي كل الأحوال، تتحمل قطر مزيد من التكاليف في ضوء التمسك بموقفها أمام الدول الخليجية ومصر، ذلك لأن تكاليف السلع وخدمات الممرات البديلة حتماً سترتفع لأن على الطائرات المتوجهة إلى قطر تقطع مسافات أطول، فضلاً عن انقطاع مزيد من الخدمات المالية واللوجستية التي كانت تحصل عليها من جيراناتها ومن غير السهل تعويضها في فترة قصيرة من خلال دول أخرى- جغرافياً تعتبر بعيدة وتقطع مسافات أطول وتكاليف أكبر للتعاون من قطر.

نهايةً، أمر بديهي أن تتأثر قطر بصورة أكبر من المقاطعة من قبل 6 دول تعتبر من أهم الشركاء التجاريين، فضلاً عن قرب الموقع الجغرافي الذي يوفر عليها المزيد من تكاليف الشحن والنقل، لكن الأمر الأهم هنا الإجابة عن تساؤل رئيسِ مفاداة: هل حقاً الاقتصاد القطري ينهار؟؛ للوهلة الأولى مع متابعة التراجع الحادث في حجم الاحتياطي النقدي القطري وتراجع الودائع غير المُقيمة لدى المصارف القطرية، يمكن أن نستنتج أن الاقتصاد يواجه موجةٍ من الرياح العاتية التي ستقضي في طريقها على الأخضر واليابس، لكن بالتأني في دراسة كل تلك المعطيات، سنجد أن قطر تختلف عن الكثير من الدول العربية؛ فهي دولة تتحصل يومياً على إيرادات مستقرة ومضمونة وثابتة من بيع الغاز، فضلاً عن استثمار إيرادات العملات الأجنبية فى الصناديق السيادية والذي يُعد أفضل بكثير من وضعها فى البنك المركزي فقط دون فائدة.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...