التطبيع السعودي الإسرائيلي من الخفاء إلى العلن

0 50

عقب ما يربو عن 70 سنة من تجريم التطبيع العربي مع إسرائيل، نشرت جريدة التايمز خبراً عن خطوات أولى نحو تطبيع العلاقات الإسرائيلية السعودية، وسط ابتهاج من حكومة نتياهو بنصر سياسي لفك الحصار الإقليمي عن اقتصاد إسرائيل.

ويبدو الحديث عن بدأ تنسيق بين كل من السعودية وإسرائيل لتطبيع العلاقات الاقتصادية بينهما وكأنه تمهيد للإعلان عن ما هو «قائم بالفعل». فقد سبق وأن أعلن أصحاب أعمال إسرائيلين عن صفقات مشروعاتهم في الخليج العربي، وبخاصة السعودية، وعلى الرغم من الإنكار العربي وقتها إلا أن الإعلان عن نية تطبيع العلاقات يعيد الرواية الإسرائيلية إلى الواجهة، ويبعث على التساؤل عن المحركات السياسية والاقتصادية الدافعة لخطوة كهذه، وعن المستفيد الأكبر منها.

الإطار السياسي

اتسع مؤخراً نطاق الحديث حول التطبيع الاقتصادي بين السعوية وإسرائيل عقب التقرير الذي نشرته صحيفة التايمز البريطانية في شهر يونيو/حزيران المنصرم. ولا يمكن أن ينفصم هذا الحديث عن إطار الأحداث المتلاحقة التي شهدها الواقع الإقليمي في الشهر نفسه.

فقد شهد إقليم الشرق الأوسط متغيرات مؤثرة ومتلاحقة من شأنها أن تؤسس أوضاع جديدة في المنطقة، من ضمنها زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنطقة، والتقاءه بنظرائه من الدول الإسلامية فيما سمي بـ «القمة الأمريكية الإسلامية» في السعودية، تليها زيارته للأراضي المحتلة، وإلتقاءه برئيس الوزراء الإسرائيلي نتياهو، مع التأكيد على وعده بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.

ثمة متغير آخر ذو علاقة مباشرة بالحديث عن تطبيع إسرائيلي سعودي، ألا وهو موافقة مجلس الشعب المصري، يليه توقيع الرئيس السيسي على إتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، والتي بموجبها سيتم تسليم جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية، وهو ما سيفضي إلى توسيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل لتشمل السعودية كطرف جديد في الإتفاقية.

أيضاً تزامن حديث التطبيع مع قرار أربع دول عربية هم السعودية، الإمارات، البحرين، ومصر بقطع كافة العلاقات مع قطر، السياسية والاقتصادية، متهمين قطر بدعم جماعات إرهابية و طعن الإجماع العربي. وفي هذا الصدد صرح وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان أن الخلاف الدبلوماسى بين قطر والدول العربية الزميلة فى المنطقة يفتح فرصا للتعاون.

وفي السياق نفسه يضاف متغير لاحق وهو تغيير نظام تولية العرش في السعودية، لتنتقل ولاية العهد إلى الأمير محمد بن سلمان، صاحب اليد في تحديد رؤية السعودية 2030، والصانع لأبرز القرارات والمسارات الاقتصادية في السعودية، والذي يبدو مرحب بخطوة التطبيع مع إسرائيل.

المحركات السياسية

لا يخلو قرار التطبيع الاقتصادي بين المملكة السعودية وإسرائيل من محركات سياسية دفعت للإعلان عنه في هذا التوقيت، أولها الإرادة الأمريكية حيث يعتزم ترامب الوصول إلى اتفاق نهائي لحل الصراع العربي الإسرائيلي، ولذلك فهو يهدف إلى إرساء مصالح اقتصادية قوية بين أطراف الصراع تعد ضمانات للإلتزام بالإتفاق السياسي القادم، والذي سيكون بالقطع لصالح الطرف الإسرائيلي، ولا تنفك إدارة ترامب تعلن عن رعايتها للمشروعات الاقتصادية التي تجمع إسرائيل بأطراف عربية في المنطقة.

ثانياً اتساع المخاطر خليجياً فقد تصاعدت المخاوف لدى ملوك وأمراء من المخاطر الإقليمية التي تحاوط عروشهم، فبداية يرى الطرف الخليجي وبخاصة السعودية أن إيران هي العدو والتهديد الأكبر للأنظمة الملكية السنية. علاوة على ذلك تخشى الأنظمة الخليجية من إتساع ضراوة وسطوة التنظيمات الإرهابية الجهادية في الإقليم وعلى رأسها «داعش». كما حملت السنوات الأخيرة خطراً آخر وهو تصاعد التمرد الشعبي ضد الحكومات في الإقليم.

ثالثاً ورقة ضغط في التفاوض العربي الإسرائيلي يجيء هذا المحرك من الجانب العربي، حيث صرحت بعض المصادر العربية لوول ستريت جورنال في مايو الماضي، أن دول خليجية على استعداد لإتخاذ خطوات غير مسبوقة باتجاه التطبيع مقابل إلتزام نتياهو بوقف الاستيطان في الضفة الغربية، وتخفيفه لبعض القيود التجارية عن قطاع غزة.

في المقابل، صرح ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي أن ربط التعاون الإقليمي بحل للصراع مع الفلسطنين أمر خاطئ.

المحركات الاقتصادية

ربما تبدو المحركات الاقتصادية لقرار التطبيع السعودي الإسرائيلي كقشور للمحركات السياسية، إلا أنها تبقى دافعة باتجاه تطبيق هذا القرار من وجهة نظر الحكومات. وتتمثل المحركات الاقتصادية فيما يلي:

  • تحسين بيئة الأعمال لمشروعات قائمة بالفعل: فوفقاً لتصريحات إسرائيلية انخرطت عدة شركات إسرائيلية في مشروعات مشتركة داخل دول خليجية على رأسها السودية والإمارات، وقد اضطرت هذه الشركات إلى إخفاء هويتها الإسرائيلية من الناحية الرسمية واستصدار أوراق تأسيس أمريكية أو أوروبية حتى تتمكن من ممارسة عملها داخل دول الخليج. وعليه، فإن قرار التطبيع الاقتصادي سيزيل عقبة تعقد الإجراءات تلك أمام الشركات الإسرائيلية العاملة بالفعل في الخليج العربي.
  • مواجهة مشكلات الجغرافيا: يفرض الواقع الجغرافي لدول المنطقة عدة مشكلات تتصل بندرة المياه وتقلص المساحات المزروعة، وهو ما قد يحتاج للتعاون بين الدول المعنية، في مشروعات مشتركة، لا يمكن أن تقام في ظل قطع العلاقات.

أشكال التطبيع الاقتصادي

وسط التزام من الأطراف الخليجية المعنية بالإنكار لأي شكل من أشكال التطبيع مع إسرائيل، نشرت وكالة بلومبيرج الاقتصادية تقريراً مطولاً ومفصلاً، في شهر فبراير/شباط الماضي، عن أوجه التعاون الإسرائيلية الخليجية في عدد من المشروعات. فيما نشرت صحف إسرائيلية تصريحات لبعض الوزراء حول مشروعات مزمع عقدها بعد إعلان التطبيع. ويمكن أن تقسم أشكال التطبيع بين إسرائيل والدول الخليجية وبخاصة السعودية إلى ما يلي:

1. تكنولوجيا الأمن السيبراني

قبل عدة أعوام، كان إسرائيلي متقاعد من الخدمة الحكومية يدعى بار قد أسس شركة «إنتوفيو» وهي شركة تعمل في مجال الأمن السيبراني تنقب عن البيانات في شبكات الويب العميقة، واستطاعت الشركة تطوير برنامج تحليلي  قادر على رصد التهديدات الإرهابية من خلال فرز التدفق المستمر من رسائل ومنشورات وسائل الإعلام الاجتماعي المختلفة. نجحت الشركة الإسرائيلية في بيع خدماتها للشرطة وأجهزة الاستخبارات في عدد من الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة الأمريكية.

في العام 2015، ووفقاً لتصريحات بار لوكالة بلومبيرج لا حقاً،  قامت شخصية ذات سلطة عليا في المملكة العربية السعودية بالإتصال به وإجراء اجتماع معه عبر سكايب، طالبة خدماته في تحديد التهديدات الإرهابية التي تواجه المملكة، وتم الإتفاق معه على إنشاء شركة خارج إسرائيل لتمرير العمل معهم وإخفاء هويتها الإسرائيلية، وبالفعل عمل بار مع السلطات العليا في السعودية من خلال تطوير برنامج سمي إنتسكان والذي يعالج حوالي 4 مليون مشاركة- عبر الفيسبوك وتويتر- يومياً، ثم توسعت خدمات إنتوفيو الإسرائيلية لتشمل – إلى جانب تهديدات الجهاديين الإرهابية- أبحاث الرأي العام حول أداء العائلة المالكة في السعودية.

وتستمر التصريحات الإسرائيلية في الإفصاح عن التعاون الإسرائيلي الخليجي في هذا المجال، ففي العام 2012 عندما استطاع قراصنة اختراق موقع «أرامكوم» شركة النفط السعودية الأضخم، قدمت شركات إسرائيلية يد العون لحل هذه الأزمة.

ووفقاً لتقرير بلومبيرج، فإن أحد رجال الأعمال الإسرائيلين -ويدعى كوتشافي -قام بإنشاء شركات في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية تستخدم مهندسين إسرائيلين، وقد قدمت خدماتها في مجال البنية التحتية  الأمنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، يقدر حجمها بـ 6 مليار دولار، علاوة على تمريرها لبرامج إدارة الاكتظاظ في مكة المكرمة إلى السلطات السعوديية.

بالإضافة إلى ما سبق، صدرت تصريحات إسرائيلية عن شركة «إلبيت سيستمز» – إحدى كبرى شركات المقاولة للدفاع الخاص في إسرائيل- أفادت بأن الشركة حاولت إخفاء هويتها لبيع خدماتها في قطر والكويت والسعودية من خلال شركة «إلبيت سيستمز أوف أمريكا» والتي باعت خدمة أنظمة الصواريخ إلى السعودية، وتوفي أحد موظفيها داخل الأراضي السعودية بعد آخر يوم عمل له بالمملكة، وهو أمريكي يدعى «كرامر» عمل في شركة إلبيت لمدة 12 عام، وقد صرحت الشرطة السعودية بأنه قد انتحر.

2. النقل واللوجيستيات

ثمة شكل آخر من أشكال التطبيع يحتل أهمية استراتيجية لدى إسرائيل، والذي يأخذ شكل عدد من المشروعات في مجال النقل واللوجيستيات. فقد كلف رئيس الوزراء الإسرائيلي نتياهو البرلماني العربي الدرزي السابق في الكنيست أيوب كارا، بتولي إجراءات التنسيق مع الدول العربية المجاورة لتدشين عدد من مشروعات تحت مسمى التعاون الإقليمي، والذي تم تعينه وزير في حكومة نتياهو.

ووفقاً لكارا، فإن إسرائيل تملك الرغبة في التعاون مع السعودية من إجل إحياء خط الأنانيب «إيلات –عسقلان»، وهو مشروع قديم أسس منذ 50 عام بالتعاون مع شاه إيران، لضخ النفط من ناقلات النفط في ميناء إيلات بالبحر الأحمر إلى ميناء عسقلان بالبحر المتوسط ثم إلى أوروبا، يتكلفة أقل من رسوم  قناة السويس، لكنه توقف بعد الثورة في إيران وانفردت إسرائيل بملكية الخط، وغرمتها محكمة استئناف في سويسرا، العام الماضي،  1.1 مليار دولار لصالح إيران، إلا أن إسرائيل لم تدفعهم. يحتل هذا المشروع أهمية استراتيجية لدى حكومة نتياهو والتي ترى أن هناك مصلحة خليجية في تنفيذه.

فرض الصراع في سوريا أوضاع جديدة فيما يخص نقل التجارة بالإقليم، وأصبح ميناء حيفا مركز لنقل البضائع التركية. وحالياً تجرى مناقشات مع الأردن وأطراف عربية لإنشاء طريق تجاري بين إسرائيل والسعودية، يمكن من خلاله نقل البضائع من تركيا وإسرائيل إلى الأردن والسعودية ودول الخليج.  في هذا السياق عرض وزير النقل الإسرائيلي يسرائيل كاتس على الإدارة الأمريكية مشروع لإنشاء سكك حديدة لنقل البضائع والركاب، تربط بين إسرائيل والأردن والسعودية، تحت مسمى «سكك حديد السلام الإقليمي».

بعد توقيع إتفاقية أوسلو في مطلع التسعينات قامت إسرائيل بتشغيل مكاتب تجارية لها في عمان وقطر، وخلال العام الماضي أسست تمثيل دبلوماسي رسمي لها في الوكالة الدولية للطاقة المتجدة بإمارة أبو ظبي، وقد اعطت الحكومة الإسرائيلية هذا المكتب الإمكانية لتوسيع علاقاته للعمل كسفارة لإسرائيل بمنطقة الخليج العربي.

وفقاً لما نشرته جريدة التايمز فإن السعودية سوف تفتح مجالها الجوي وتسمح بتحليق طائرات إسرائيلية خلاله، كما نشرت صحف إسرائيلية أن إسرائيل قد تسمح بنقل الحجاج الفلسطنين من مطار بن غوريون بتل أبيب إلى السعودية.

3. الأمن المائي

يعد الشح المائي من أكبر أزمات الإقليم التي تمس مباشرة الأمن القومي لدوله، لا سيما الأردن وفلسطين وإسرائيل وسوريا ودول الخليج، وعليه فإن إسرائيل تعرض على السعودية أن تشترك فيمشروع «ناقل البحرين» للاستفادة من مياهه المحلاه.

ومشروع ناقل البحرين، هو مشروع إقليمي يمول البنك الدولي جزء منه، ويهدف إلى توفير مياه محلاه للأردن وإسرائيل وفلسطين، وإلى إنقاذ البحر الميت من الجفاف الذي ينتطره في العام 2050 نتيجه لإعتماد إسرائيل المفرط عليه في تحليه المياه. وسيعمل المشروع بداية من العام 2018 على نقل المياه من البحر الأحمر إلى البحر الميت عبر خط أنابيب على إرتفاع 1400 قدم فوق مستوى البحر.

4. تكنولوجيا الزراعة

إن استخدام تكنولوجيا مبتكرة في مجال الإنتاج الزراعي هو أحد المجالات التي تسوق إسرائيل نفسها من خلاله دولياً، وقد برزت منتجاتها في هذا المجال مؤخراً لا سيما من خلال تعاونها مع الهند. في الوقت ذاته يواجه الخليج أزمة في تناقص الساحات المنزرعة به وانتشار الجفاف، واعتماده بشكل مفرط على استيراد السلع الغذائية، مما يجعل من هذا المجال أحد أشكال التطبيع الاقتصادي المرتقبة.

يبقى السؤأل الأهم عن من المستفيد الأكبر من خطوة التطبيع بين إسرائيل والخليج. فمن ناحية الصراع والأمن، أصبحت الدول الأقوى عربياً والأكثر ثقلاً اقتصادياً منكشفة أمنياً أمام إسرائيل، وإذا ما أخذت البدائل المتاحة في الاعتبار فإن الخدمات التقنية التي تقدمها إسرائيل بالتأكيد لها بدائل أخرى في السوق الدولي، علاوة على أن الدول الخليجية تملك القدرات المالية والمؤسسية التي تجعلها قادرة على تعليم وتدريب كوادر وطنية أو على الأقل عربية في هذا المجال في غضون سنوات قليلة.

أما إسرائيل فلا تملك بدائل أخرى لدول الجوار لحل مشكلاتها الإقليمية المتعلقة بنقص المياه، وتيسير طرق التجارة الدولية البرية والبحرية، ونقل الطاقة . ومن هذه الزاوية تحديداً يمكننا الحسم بأن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من التطبيع مع الخليج بعد أن انتهت من التطبيع مع الأردن، ومصر، وفلسطين. ويمكننا القول الآن  أن إسرائيل تفك حصارها الإقليمي، فيما يضيق الحصار الاقتصادي على قطاع عزة، وتخنق التبعية الاقتصادية  الضفة الغربية.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...