بعد عودة البشير من الخليج: هل يغير السودان موقفه من قطر؟

0 826

عند المشتغلين بالسياسة في السودان بشكل عام انطباع أن الزيارة الأخيرة التي قام بها الرئيس السوداني عمر البشير إلى الرياض وأبو ظبي كانت زيارة ناجحة وأنها الدول (المعادية) لقطر تقبلت الموقف السوداني المحايد من الأزمة الخليجية وأن هذا الأمر يعني أن لا تداعيات عكسية مؤلمة على العلاقات السودانية السعودية في المدى القريب.

الرئيس البشير زار السعودية مرتين خلال الأزمة الخليجية الأولى كانت خلال شهر رمضان وكانت الأزمة في أوجها وكانت السعودية مشغولة بانتقال ولاية العهد من الأمير محمد بن نايف إلى الأمير محمد بن سلمان فلم يجد الرئيس السوداني وقتا كافيا لخوض نقاش مستفيض مع العاهل السعودي ونجله الأمير محمد بن سلمان مما جعل البشير يفكر في زيارة أخرى أكثر رسمية بعد عطلة العيد وقد كانت الزيارة الثانية والذي ورد عليها مستجدات مهمة تمثلت في بيان سعودي سوداني مشترك يتحدث عن قضية مكافحة الإرهاب ومحاربة مموليه دون تحديد أي دولة بالاسم والتأكيد على مكافحة النفوذ الإيراني في المنطقة بالإضافة إلى ذلك إعلان السودان الإستجابة للرغبة السعودية بإعادة التفاوض مع إدارة ترمب من أجل إلغاء العقوبات الأمريكية على السودان وذلك بعد أيام من إعلان الخرطوم تجميد التفاوض مع واشنطن بشأن رفع العقوبات رداً على قرار الرئيس الأمريكي ترمب بتأجيل رفع العقوبات ثلاثة أشهر.

العلاقات السودانية الخليجية

بحكم الدين واللغة والجوار كانت المملكة العربية السعودية من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال السودان 1956، و بدأت في نسج علاقات دبلوماسية قوية معه. وكانت المملكة العربية السعودية من الدول التي أيدت إنضمام السودان إلى جامعة الدول العربية بحماس ومعها مصر غير عابئة بتحفظ بعض الدول العربية التي كانت لا ترى في السودان بلدا عربيا كامل الدسم مثل لبنان التي عارضت انضمام السودان لجامعة الدول العربية.

وعندما أعلنت الكويت إستقلالها من بريطانيا هدد الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم باحتلالها مما دفع عدد من الدول العربية إلى إرسال قوات لدعم إستقلال الكويت وكانت السودان من الدول التي أرسلت قواتها إلى الكويت حتى زال تهديد عبدالكريم قاسم تماما بنجاح البعثيين بالإنقلاب عليه عندها قررت الدول العربية سحب قواتها بعد أن أدركت أنه لم يعد هناك أي تهديد لاستقلال الكويت ، وتطورت العلاقات السودانية الخليجية في فترة الأزمة ما بين النظام الناصري والمملكة العربية السعودية حيث وجد الخليجيون في السودان حليفا محتملا ضد الناصرية خصوصا أن حكومات السودان ما بعد الاستقلال  حتى انقلاب جعفر نميري كانت تنظر إلى عبدالناصر بارتياب باعتباره يخطط وينوي السيطرة على السودان ولكن مع الوقت تحسنت العلاقات خصوصا بعد أن بدأ الرئيس نميري ينأى بنفسه عن الفكر اليساري الثوري الذي يغضب الخليج واتجه للتقارب مع الولايات المتحدة بعد أن أجهض إنقلاب شيوعي في يوليو/تموز 1971 واتهمت الحكومة السودانية السوفييت بالوقوف خلف الانقلاب.

وعند مطلع السبعينات، أقام السودان علاقات متميزة مع دول الإمارات وقطر وعمان والبحرين الدول التي كانت قد أعلنت استقلالها من الإستعمار البريطاني، ولكن العلاقات السودانية مرت بفترات مؤلمة في مطلع الثمانينات والتسعينات وحتى العقد الأول من الألفية ففي الثمانينات تدهورت العلاقات السودانية الخليجية بعد إعلان السودان إنحيازه لمصر ورفضه قطع العلاقات معها بعد توقيعها اتفاقية كامب ديفيد وقد تسبب هذا الموقف في تجميد الخليج تمويل المشروعات الزراعية في السودان وزاد الأمر سوءاً رفض الحكومة المنتخبة بعد الإطاحة بنميري الانحياز للعراق ضد إيران واختيارها الحياد الذي رأته دول الخليج تخاذلا، وكانت الضربة الموجعة في التسعينات عندما تم تصنيف السودان من قبل الخليجيين كأحد دول الضد التي تعاطفت مع صدام و فضت الاستعانة بالقوات الأجنبية لتحرير الكويت، وما زاد الأمر توتراً هو انكشاف الهوية الأيدلوجية للنخبة العسكرية التي تحكم السودان والتي تبين أنها نخبة عسكرية موالية لحزب حسن الترابي الإٍسلامي الذي تراه دول الخليج معاديا لها مما دفع الخليجيين لتوفير ملاذات آمنة لتجميع المعارضات السودانية وتوحيدها لإسقاط الحكم العسكري الإسلامي و في منتصف التسعينات حصل انقلاب مفاجئ في قطر حيث تولى ولي العهد الشيخ حمد بن خليفة الحكم في قطر رغما عن الإمارات والسعودية ومعهما مصر وهنا التقت مصالح نظام السودان مع نظام قطر فنشئ بينهما ما يشبه «التحالف» ولكن هذا التحالف سرعان ما فتر بعد مفاصلة الإسلاميين بين الترابي والبشير وانشغال السودان بهمومه الداخلية وسعي السودان لكسب صداقة بقية دول الخليج واستطاعت الدبلوماسية السودانية إحداث اختراقات مع دولة الإمارات والكويت ولكن بقي الموقف السعودي تجاه السودان متشدداً رغم أن السعودية سامحت كل دول الضد إلا أنها لم تقبل أن تسامح السودان خصوصا بعد أن ظهور تقارير تتحدث عن تنسيق سياسي وأمني سوداني- إيراني وصل إلى مستوى التعاون العسكري وإرسال طهران لبوارجها الحربية إلى بورتسودان للإستعراض وإغاظة السعودية ما دفع السلطات السعودية للقيام بخطوة غريبة وهي منع طائرة الرئيس السوداني من المرور في الأجواء السعودية لتحرمه من حضور تنصيب الرئيس الإيراني روحاني.

ومع مجيء الملك سلمان، اتجهت السعودية نحو فتح صفحة جديدة في التعاون مع السودان بعد أن أبدى السودان استعداده لإزالة كل ما كان يعكنن السعودية، ومنها التقارب مع إيران ووجود مراكز ثقافية إيرانية، فأغلقت المراكز الثقافية وتم إلغاء كل الإتفاقات مع إيران، وانتهاءاً بقطع العلاقات الدبلوماسية والقنصلية.

ما حقيقة الموقف السوداني من الأزمة الخليجية؟

كانت الأزمة الخليجية خبراً غير سار للسودانيين فمن يتابع الإعلام السوداني المرئي والمسموع وما تكتبه الصحف السودانية سواء تلك القريبة من خط السلطة أو حتى تلك المستقلة أو التي تميل للمعارضة يلاحظ حجم الصدمة والذهول الذي أصيب به السودانيون من التراشقات الإعلامية بين وسائل الإعلام الخليجية ومن تصريحات المسؤولين الخليجين خصوصا المسؤوليين في الدول المعادية لقطر فاعتبر بعض المحللين السياسيين أن ما يحدث في الخليج هو «مؤامرة صهيونية ودسيسة فرعونية» وعندما بدأت الدول الموالية في قطع العلاقات مع قطر استجابة لرغبة سعودية انتظر السودانيون موقفا واضحا من وزارة الخارجية إما تضامناً مع قطر أو انحيازاً للسعودية والإمارات إلا أنهم وجدوا في بيان الخارجية موقفا رماديا يتحدث عن الحياد والإصلاح بين طرفي النزاع باعتبار أن السودان في قلب الأزمة كما نشرت صحيفة الصحافة السودانية في 8 يونيو/حزيران الماضي.

وقد استقبلت السعودية والإمارات الموقف السوداني بغضب باعتبار أن السودان تأخر في «الفزع» لهم مظهرا سياسة تدعو للحوار تتنافى مع سياسىة الصدام والحزم التي تتبناها الدولتين مما دفع الدولتين للتعامل ببرود مع بيان الخارجية السودانية واجتمع سفراء الدول ( المحاصرة / المقاطعة ) لقطر ليشرحوا لوزير الخارجية السوداني أسباب الأزمة مع قطر، ثم يطلب السفير السعودي من على صحيفة سودانية من الحكومة السودانية موقفا واضحا من قطر.

زاد من التوتر إقالة مدير مكتب الرئيس السوداني الفريق طه عثمان الحسين وتعيين آخر في مكانه دون وضع أسباب مقنعة لهذه الإقالة ومما دفع المحللين للربط بين الإقالة والأزمة الخليجية خصوصا أن الفريق طه هو من المسؤوليين السودانيين المحسوبين على السعودية وخرجت تسريبات تتحدث عن أسباب الإقالة منها تورط الفريق طه في تسليم وثائق ضد قطر لدول التحالف الرباعي ومنها تورط الفريق في تحريك القوات السودانية في اليمن لإستخدامهم في عمل انقلاب ونشر الفوضى في قطر مقابل مبالغ مالية ومنها أنه حاول تدبير إنقلاب في السودان نفسها وزاد من انتشار الشائعات ظهور الفريق المُقال عضوا في الوفد السعودي لقمة الإتحاد الإفريقي في أديس أبابا، وقد قيل أنه تم تعين الفريق طه مستشارا للشؤون الإفريقية لوزير الخارجية السعودي عادل الجبير وتبين أنه حصل على الجنسية السعودية كذلك باعترافه الشخصي لإحدى الصحف، واعتبر هذا الأمر بأنه مشابه لما حدث مع رفيق الحريري الذي كان يحمل الجنسية اللبنانية والسعودية وكان رئيساً لوزراء لبنان.

وسط كل هذه الأمور كان البرلمان يموج بالتأييد لقطر خصوصا من نواب المعارضة الإسلامية أمثال الطيب مصطفى ونواب حزب المؤتمر الشعبي ونواب دارفور بينما كان نواب حزب الاتحادي الديمقراطي يعلنون صراحة تأييدهم لخطوات التحالف الرباعي معتبرين أنها ضرورية لمكافحة الإرهاب وتمويله في تماهي تام مع الخطاب السعودي والإماراتي وللغرابة كان نواب الحزب الحاكم الذي يملك الأغلبية في حيرة على أي اتجه يصطفون إلى زملائهم في المعارضة الإسلامية أم في لزملائهم في حزب الاتحادي الديمقراطي.

لذا فإن خبراء ومعلقين كُثر على موقف السودان من ما يحدث مع قطر ذهبوا إلي أن حياد السودان في الأزمة الخليجية هو استجابة وإدراك لمدى حساسية الموقف في الخليج مدركا أنه سيخسر في حالة وقوفه مع أو ضد ولكن من المؤكد أن الرياض لو ضغطت على السودان أكثر ليصطف معاها فسوف يواجه النظام معضلة في الداخل ولذلك فإن على البشير أن يوازن دائرته (جمهوره) الإسلامي.

رفع العقوبات الأمريكية عن السودان وسيلة (سعودية – إماراتية) لإغراء الخرطوم

تدرك دول لحصار المعادية لقطر أن أقوى الوسائل للضغط على الخرطوم هي بالضغط عليها بمسألة رفع العقوبات وكان تأجيل الرئيس الأمريكي ترمب لرفع العقوبات في يوليو/تموز الماضي إلى اكتوبر هي رسالة من دول الخليج للسودان أن عليه أن يسرع الخطى بالإنضمام إلى الرباعية العربية أو سوف يتم اعتبار حياده اصطفافا مع قطر وتأييد لتصرفاتها التي تعتبرها هذه الدول دعما للإرهاب.

وإذا تم اعتبار رفع العقوبات جزرة لإغراء الخرطوم فهناك عصا غليظة في انتظار السودان كذلك إذا ما اختار الإستمرار في السير في طريق الحياد وهي حشره مع قطر في اتهام الإرهاب وهذا ما بدأت به مصر عبر جنرالها الليبي خليفة حفتر ومتحدث جيشه الرسمي العقيد المسماري والغريب في الأمر أن وسائل الإعلام الخليجية الناطقة بالعربية لم تنقل تصريحاته التي يتهم فيها السودان أنها جزء من مثلث الإرهاب إلى جوار قطر وتركيا مثلما فعلت وسائل الإعلام المصرية بينما نقلت التصريحات وسائل الإعلام الخليجية الناطقة بالإنجليزية ما يشير إلى أن الإتهام للسودان بالضلوع في دعم ما تسميه الرباعية العربية بالإرهاب هو اتهام مع وقف التنفيذ مؤقتاً حتى يتبين لهذه الدول حقيقة الموقف السوداني و الذي تصر القاهرة على وضعه في نفس السلة مع الدوحة انتقاما من السودان التي لم تقف مع مصر الموقف الذي تريده من أزمة سد النهضة.

ماذا بعد زيارة الرئيس البشير الأخيرة إلى الإمارات والسعودية ؟

سافر الرئيس السوداني إلى الرياض وأبو ظبي وألغى رحلتين له نحو قطر والكويت رغم أن وكالة الأنباء الرسمية كانت قد أعلنت أنه عازم على التوجه نحوهما ويبدو أن إلغاء رحلات الرئيس إلى تلك الدول لدعم المبادرة الكويتية قد تم بضغوط سعودية وإماراتية.

التقى الرئيس السوداني في الإمارات مع ولي عهد أبو ظبي ورجل الإمارات القوي محمد بن زايد وتباحث معه في عدد من القضايا الإقليمية ثم ذهب إلى السعودية وهناك خرج بيان سوداني سعودي مشترك يتحدث عن محاربة الإرهاب وتجفيف مصادر تمويله بإعتبار أن الإرهاب هو الخطر الداهم الذي يواجه المجتمعات المسلمة ولكي لا يفهم من البيان أنه موجه ضد أي دولة صرح وزير الخارجية السوداني أن البيان ليس موجه ضد أي دولة.

لا يمكن عزل هذا البيان عن ما صرح به وزير الإعلام السوداني مهاجما مواقف الدوحة وذراعها الإعلامي قناة الجزيرة متهما إياها بمحاولة بث الفوضى في مصر بالإضافة إلى تصريحات غزل للقاهرة تناقض مواقف الوزير نفسه قبل شهور يصف فيها الحضارة المصرية بالعريقة والقديمة ويؤكد تضامن السودان مع مصر في قضية سد النهضة ورغم أن الوزير اعتذر للبرلمان عن تصريحاته باعتبار أنها مواقف شخصية ما كان ينبغي له أن يعلنها إلا أن جميع المحللين يدركون أن وزراء الإعلام عادة لا يصرحون بتصريحات شخصية وإن فعلوا ذلك فإن الإقالة تكون مصيرهم وبما أن الوزير لم يقال ولم يستقيل وقدم اعتذاراً في جلسة سرية خاصة للجنة برلمانية فالوزير صرح بما هو توجهات الحكومة ( غير المعلنة ) عن غير قصد ما سبب للحكومة السودانية إحراجا مع برلمانها. يبدو أن السودان عاجلا أو آجلا سيجد نفسه مصطفا مع الرياض وأبو ظبي في ظل مواقف قطر الأخيرة من عملية عاصفة الحزم والتي أصبحت تنتقد علنا العملية معتبرة إياها عاصفة للهدم وهذه المواقف الأخيرة ستباعد بكل تأكيد بين مواقف الخرطوم والدوحة لأن الخرطوم باتت تعتبر أن المعركة في اليمن معركتها.

يمكن القول أن البرلمان السوداني هو أقرب لتأييد قطر والحكومة هي أقرب لتأييد دول الرباعية وما دام البرلمان السوداني قائما بتشكيله الحالي فإن الإندماج السوداني مع دول الرباعية لن يتم.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...