قاعدة «محمد نجيب»: الإمارات تنطلق من مصر للتدخل في ليبيا

0 73

في 22من يوليو/تموز الماضي، وبإعلان مفاجئ ، افتتحت أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط وإفريقيا على الأراضي المصرية، لتحمل اسم أول رئيس لمصر بعد ثورة 23 يوليو 1952«محمد نجيب».

برر النظام المصري وحلفاؤه ومؤيدوه، وجود هذه القاعدة على الحدودية الغربية مع ليبيا، لكونها تشكل صداعاً أمنياً، بتهريب الأسلحة والإرهابيين، إلى الداخل المصري، الأمر الذي لن يقنع المراقبين الذين اعتبروا هذه القاعدة مرحلة جديدة لتدشين التدخل المصري والإماراتي والروسي أكثر في ليبيا.

قاعدة «محمد نجيب» إمكانيات عسكرية ضخمة

جاء إنشاء القاعدة، بالتزامن مع الإعلان عن توسيع القاعدة العسكرية في «سيدي براني»، وكلهما قرب الحدود المصرية الغربية مع ليبيا، وذلك في إطار توجه مصري بتحويل المنطقة الغربية إلى مركز ثقل، في الصراعات الدولية، فـ «إنشاءها جاء في إطار استراتيجية التطوير والتحديث الشامل للقوات المسلحة ولتحل خلفاً للمدينة العسكرية في منطقة الحمام، التي أُنشئت في عام 1993، مع دعمها بوحدات إدارية وفنية جديدة، وإعادة تمركز عدد من الوحدات التابعة للمنطقة الشمالية العسكرية في داخلها»، حسب ما قاله المتحدث العسكري المصري محمد سمير ، الذي وصف القاعدة بأنها «إنجاز جديد يضاف إلى إنجازات القوات المسلحة كماً ونوعاً».

تتميز القاعدة التي أقيمت على مسافة 18 ألف كيلو متر مربع بتجميع قتالي يتوافر به ميادين التدريب القتالية والتخصصية المجهزة بتقنية حديثة، فهي تشمل 1155 مبنى ومنشأة، و4 بوابات رئيسية و8 بوابات داخلية للوحدات، وتوفر إمكانية إعادة تمركز فوج لنقل الدبابات يسع نحو 451 ناقلة حديثة لنقل الدبابات الثقيلة، و72 ميدانًا متكاملًا للتدريب التخصصي، و وفق البيانات الرسمية المصرية أيضًا تضم القاعدة العسكرية : «قرية رياضية ومخازن للأسلحة والمعدات والاحتياجات الإدارية والفنية لعناصر الدعم من القوات الجوية والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية، فضلا عن أنظمة حديثة للقيادة والسيطرة والتعاون بين الأفرع والأسلحة المختلفة، بالإضافة إلى مدينة سكنية تضم 27 استراحة لكبار القادة، و29 عمارة للضباط والصف، وتطوير مبنيين لإيواء 1000 جندي».

قاعدة «محمد نجيب» .. لتعزيز نفوذ حفتر

تخوض السلطات المصرية في شبه جزيرة سيناء، ومنذ ثلاث سنوات معركة ضاربة مع التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها تنظيم «ولاية سيناء»، فرع «تنظيم الدولة» في مصر، فلا تمر بضعة أيام دون سقوط عناصر من الجيش المصري بين قتيل وجريح على يد هذا التنظيم، الأمر الذي جعل تلك المنطقة الحدودية الشرقية هي الأكثر خطرًا على مصر.

ناهيك عن وجود «العدو التاريخي» وهو إسرائيل، والذي لا يمكن اعتباره الآن يمثل خطر على مصر من وجهة نظر النظام الحاكم بمصر، الذي يحظى وجوده بمباركة إسرائيلية لا يفتر التعبير عنها إسرائيلياً، لقد أثار إنشاء قاعدة محمد نجيب على الحدود الغربية لمصر شكوك حول دوافع ذلك، إذ لم يقنع التبرير الذي ورد في تقرير وكالة أنباء الشرق الأوسط الرسمية المصرية أنه «في ظل ما تشهده المنطقة من مخاطر وتهديدات مباشرة للأمن القومي المصري -خاصة من الاتجاه الغربي- فقد حرصت القوات المسلحة على تعزيز القدرات القتالية للمنطقة الغربية العسكرية، في منع تسرب العناصر الإرهابية المسلحة عبر خط الحدود الغربية»، ليمثل افتتاح القاعدة على مقربة من إحدى نقاط الاشتباك الإقليمية، قفزة جديدة، تتجاوز النطاق المصري الأمني الداخلي، نحو الخروج عن إستراتيجية الدفاع وفق مناطق التهديدات.

عدا عن ما سبق، ، تؤكد قراءة الواقع في ليبيا، أن الإمارات ومصر على وجه التحدي قررا بإنشاء هذه القاعدة توفير الدعم الكامل لقوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، قائد القوات الموالية لمجلس نواب طبرق، وذلك لكون الرجل حليف يقود مشروعًا مصريًا إماراتيًا للسيطرة على مقاليد الحكم في ليبيا، فبالعودة قليلًا إلى الوراء، لم تكن مصر مع الإمارات بمنأي عن التدخل العسكري في ليبيا، بل شكل الملف الليبي المحطة المشتركة الأهم للتحالف الإماراتي ــ المصري، وحدث أن قصفت مصر بشكل متواصل بعض المناطق في الشرق الليبي بذريعة تصفية الجماعات الإرهابية التي تقود هجمات في مصر، بينما هي في الحقيقة قصف لمواقع تتبع معارضي حفتر في «درنة» و«بنغازي»، ويوفر الجيش المصري خدمات التدريب والدعم اللوجستي لقوات «حفتر»، وقد صد الرغبة المصرية نحو مزيد من التدخل بليبيا في العام 2015، الموقف الأمريكي الذي تمثل في عدم رضا الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما عن هذا التدخل، بل رفضه في أكتوبر/ تشرين الأول العام 2014، الضربة المصرية لمدينة بنغازي الليبية، ليغير هذا الموقف وصول «دونالد ترامب» للبيت الأبيض في يناير/كانون الثاني هذا العام، فقد بارك الضربات الجوية المصرية لمواقع في درنة الليبية في مايو/آيار هذا العام.

ولا يمكنا إغفال ما تحدثت عنه أطراف ليبية أكثر من مرة، حول وجود «أطماع» مصرية في نفط إقليم «برقة»، الواقع في الشرق الليبي، فبينما مصر تهدف جراء التقارب حفتر، إلى التأثير على صنع القرار الليبي، تضع أيضًا نصب عينيها؛ النفط الليبي الذي يعد حفتر مفتاح آباره، حيث يسعى الرجل للسيطرة على المنطقة الشرقية بشكل كامل، وهو لتحقيق ذلك بحاجة لغطاء من قوة كبرى.

انطلاقاً من ذلك، فإن المتوقع أن يكون للقاعدة العسكرية المصرية الجديدة دور بارز في العمليات العسكرية في ليبيا على صعيد توفير التدريب والخطط العسكرية واللوجستية لقوات حفتر، لتشكل الآن قاعدة «نجيب» فناء خلفيًا له، إذ تمتع القاعدة بتمركز فوج لنقل الدبابات يسع نحو 451 ناقلة حديثة لنقل الدبابات الثقيلة، ، وتدشن بذلك مرحلة جديدة من التدخل المصري في ليبيا، وهو الأمر الذي دفع كثير من المراقبي لإعتبار إنشاء هذه القاعدة هدفه الحقيقي هو دعم قوات اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر.

الإمارات: نفوذ عسكري متزايد على أرض مصر

لم يتمالك ولي عهد أبوظبي، ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، محمد بن زايد آل نهيان، نفسه من الإعجاب والدهشة، فنهض من مقعده المجاور لـ «السيسي» يلتقط بهاتفه المحمول صوراً للعرض الجوي في سماء قاعدة «محمد نجيب» العسكرية.

حضر «بن زايد» الحليف الأهم لمصر وخليفة حفتر في إطار دعم بلاده السخي مادياً لإنشاء قاعدة بهذا الحجم، وبتلك الإمكانيات، على أرض مصر المنهكة اقتصادياً، حضر متفاخرًا بما يرى بأم عينه من آليات تحقيق النفوذ المتزايد لبلاده التي أخذت تمتلك القواعد العسكرية خارج حدودها، بداية من القرن الأفريقي في الصومال وإريتريا، ومرورًا باليمن، وليس انتهاء بمصر، فالقاعدة التي ستكون كما قال المسئولين المصريين مقر لإجراء تدريبات عربية مشتركة، تمتلك فيها «أبوظبي» فرصة لجني مكاسب السياسية والعسكرية أكثر من غيرها، فالقاعدة –كما أعلن- ستكون مقراً إقليميا لتدريب أفراد الجيوش الوطنية في العديد من الدول العربية.

وفي ضوء الرسائل السياسية التي خرجت للإعلام، لا يمكن استبعاد إنشاء هذه القاعدة عن الأطماع الإماراتية في ليبيا، إذ يبدو أن الإمارات لم تكتفي بتخصيص قوات حفتر قاعدة عسكرية لها في منطقة (الصليعانية) جنوبي مدينة المرج بليبيا، وهي ماضية نحو المزيد من الدعم لقوات حفتر، والذي تفاقم بوضوح عقب سيطرة حفتر على بنغازي، إذ سارع الرجل في 8 يوليو/تموز 2017، لزيارة الإمارات، ليسجل التقرير الشهير الذي أعده خبراء من المنظمة الدولية، الأمم المتحدة، في يونيو/حزيران الماضي دليل دامغ على وصول هذا الدعم لذروته، فـ «أبوظبي قدمت الدعم المادي والدعم المباشر (للجيش الوطني الليبي) الذي يقوده حفتر، و قدمت مروحيات قتالية وطائرات حربية لقوات السلطات الليبية الموازية بقيادة حفتر، في انتهاك لحظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا الذي فرضته المنظمة الدولية».

وقد أقحمت ليبيا نفسها في الأزمة الخليجية الأخيرة، وبالطبع كان الموقف الليبي موالي للحليف الإماراتي، إذ أنه في موقف مثير للغرابة أعلن المتحدث باسم الجيش الليبي المدعوم من حفتر، أن «قطر ترعى الإرهاب في ليبيا، وساعدت جماعات إرهابية على السيطرة على مفاصل الدولة في ليبيا«، كما لم تبعد «قطر» عن حدث افتتاح قاعدة محمد نجيب، وربما كان السيسي أكثر وضوحًا في موقفه ضد قطر خلال هذا الافتتاح، إذ قال: «لا يمكن التسامح مع من يموّل الإرهاب بمليارات الدولارات، فيسبّب مقتل مواطنينا، بينما يتشدق في ذات الوقت بحقوق الأخوة والجيرة. ولهؤلاء نقول: إن دماء الأبرياء غالية، وما تفعلونه لن يمرّ دون حساب»، مضيفاً: «فلا يُمكن تصور إمكانية القضاء على الإرهاب من خلال مواجهته ميدانياً فقط، والتغافل عن شبكة تمويله مادياً، ودعمه لوجستياً، والترويج له فكرياً وإعلامياً».

الضبعة النووي يمنح «الدب الروسي» حصة في قاعدة «محمد نجيب»

غاب الدب الروسي عن الافتتاح الرسمي لقاعدة «محمد نجيب»، ذلك لا يعني عدم وجود حصة عسكرية لروسيا في القاعدة التي سبق الإعلان عن افتتاحها تحركات عسكرية عدة، ترجح إمكانية أن يحظى الدب الروسي تحت غطائها بتواجد عسكري في القاعدة، فروسيا تبعًا لمصالحها الخاصة ولعلاقاتها مع الإمارات ومصر تدفع نحو الانخراط بفعالية في الملف الليبي، إذ تعني روسيا بدعم حفتر في محاولة للوصول إلى منطقة الهلال النفطي في ليبيا، فإذ ما كان الهدف الحقيقي وراء حفاوة موسكو بحفتر يتمثل في الحفاظ على عقود النفط التي كانت قد أمضتها مع القذافي، فإن المصريين ومن خلفهم الإمارات يسهلون الانخراط الروسي في ليبيا، من خلال السماح لهم باستخدام هذه القواعد.

وبدء بما أعلن عنه في مارس/آذار الماضي، فقد نشرت روسيا بناء على تأكيدات أمريكية قوات خاصة في قاعدة جوية غرب مصر، تحديدًا في مدينة «سيدي براني» الواقعة على بعد نحو 100 كلم شرق الحدود الليبية، هذا الوضع، ثم نشرت صحيفة «إزفستيا» الروسية في أكتوبر 2016خبراً حول وجو مفاوضات بين القاهرة وموسكو لاستئجار قاعدة عسكرية، غربي مصر، الأمر الذي نفاه المتحدث باسم الرئاسة، علاء يوسف بقوله : «القاهرة لن تسمح بوجود قواعد أجنبية على أراضيها» حسب صحيفة «الأهرام» المصرية، وأكدت مصادر مصرية على عدم وجود اتفاق رسمي يمنح روسيا حق استخدام قواعد مصرية.

القاهرة التي تتمتع بعلاقات جيدة مع موسكو رغم الأزمة التي حدثت إثر إسقاط «تنظيم الدولة» لطائرة روسية في سيناء تحمل 224 شخصًا أكتوبر/تشرين الأول عام 2015، لم تنفى انجاز الصيغة النهائية لأربع عقود وملحقاتها مع روسيا حول مشروع بناء وتشغيل أول محطة نووية بتكنولوجيا روسية في منطقة «الضبعة»، على ساحل البحر المتوسط، شمال غرب مصر، بتكلفة 29 مليار دولار، حدث ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2016 ليعلن أن المحطة سوف تضم 4 مفاعلات تبلغ طاقة كل منها 1200 ميغاوات، على أن ينفذ المشروع خلال 7 سنوات، وبينما أبدت موسكو في وقت سابق مخاوفها من عدم قدرة الجانب المصري على تأمين المشروع، وتحديدًا من قدرتها على منع تسلل عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» للمشروع، انتهز المتحدث العسكري الرسمي فرصة افتتاح قاعدة محمد نجيب، ليؤكد أن القاعدة : «تعزز من قدرتها على تأمين المناطق الحيوية بنطاق مسؤوليتها غرب مدينة الإسكندرية ومنطقة الساحل الشمالي، ومن بينها محطة الضبعة النووية، وحقول النفط، وميناء مرسى الحمراء، ومدينة العلمين الجديدة وغيرها».

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...