ناصر السعيد: أول معارض عمالي للسياسات النفطية في السعودية

0 75

أعلنت الحكومة السعودية خلال عام 2017 نيتها عرض أسهم من شركة أرامكو الوطنية في أسواق المال، في طرح عام أوْلي من المتوقع أن يكون الأكبر في العالم على الإطلاق؛ إذ تتجه المملكة لبيع نحو 5% من أسهم الشركة التي يقدّر الخبراء قيمتها بين 1 تريليون و1.5 تريليون دولار أمريكي، وسط مخاوف من أن تكون تلك الخطوة مدخلاً لتوسيع النفوذ الأجنبي في الشركة التي تمثل مدخلاً رئيسياً من مداخل الثورة في المملكة، وحيث تسعى الكثير من البنوك الغربية والأمريكية لشراء أسهم بالشركة النفطية العملاقة.

وبالرغم من أن المعارضة الشعبية لهذا القرار لم تتجاوز إلى الآن بعض المنابر الاقتصادية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، فإن ذلك كان دافعاً لمقارنة الوضع الحالي بتاريخ الاحتجاجات العمالية في السعودية، وخصوصاً في شركة أرامكو، والتي بدأت منذ أواخر أربعينيات القرن الماضي، واتخذت زخماً قوياً في الخمسينيات، بقيادة المعارض العمالي ناصر السعيد، الذي يعد من أوائل المعارضين السعوديين، والذي تعددت مواقفه وتوسعت رؤاه لوضع طرح عام لسبل الإصلاح في السعودية، مما وضعه في صدام دائم مع النظام، انتهى باختفائه القصري في ظروف غير معلومة في نهاية سبعينيات القرن العشرين.

الحراك العمالي في أرامكو

إذا ذكرت المعارضة في السعودية ذكر ناصر السعيد، المولود في مدينة حائل شمال وسط الجزيرة العربية عام 1923، أي بعد سقوط حائل بيد عبد العزيز آل سعود بعام واحد، وهو يعتبر أبرز وأشهر وأول معارض لدولة آل سعود منذ تأسيسها في عام 1932، مدفوعاً في ذلك بظروف عمله بالأساس.

فكغيره من شباب جزيرة العرب في أربعينيات القرن الماضي، توجه ناصر السعيد إلى المنطقة الشرقية من السعودية حيث الصناعة النفطية بحثاً عن فرصة عمل، ولكن في أرامكو، الشركة النفطية الوطنية الأهم والأكثر نفوذاً، لمِس تراجع ظروف العمل للمحليين مقابل تمييز الأمريكيين برواتب ومزايا أفضل من أهل الوطن، وكان ذلك سبباً لأن يقود مع زملائه سلسلة من الإضرابات للمطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية والسكنية، وإن كان تحركه الأول جاء مناصرة للقضية الفلسطسنية؛ فبعد قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، قاد السعيد في 17 سبتمبر 1947 تظاهرة لرفض التقسيم، طالبت بقطع النفط عن أمريكا وبريطانيا، وقد سُميّت المظاهرة بـ «يوم فلسطين».

وفي العام نفسه كانت أرامكو قد أصدرت «قانون تنظيم العمل والعمال» في 60 مادة، والذي حظر إنشاء نقابات أو جمعيات عمالية، لذلك قام السعيد في عام 1952 بتكوين لجنة لتمثيل العمال والمطالبة بحقوقهم، فاعتقلتهم السلطات لولا الإضراب الذي قام به جميع العمال في أكتوبر من العام نفسه، ولتضطر السلطات إلى إطلاق سراحهم ونفي السعيد إلى مسقط رأسه في حائل، قبل أن يعود إلى العمل عام 1953 بفعل ضغط العمال، وليقود مجدداً أخطر إضراب تزعمته اللجنة التي أنشأها، وكانت تمثل 6500 عامل، طالبوا بزيادة الخدمات الاجتماعية وزيادة الأجور والحق في تشكيل نقابة عمالية، وقدموا طلباً بذلك لولي العهد الأمير سعود بن عبد العزيز الذي رفض طلبهم وأمر باعتقال ناصر السعيد وأعضاء اللجنة.

وأدى ذلك لاستنفار العمال لإضراب أشد اشترك فيه 13 ألفاً من عمال أرامكو في كل مناطق إنتاج النفط في الظهران ورأس تنورة، الأمر الذي قابلته السلطات السعودية بإعلان الأحكام العرفية في حقول النفط، وإرسال قوات مسلحة في المنطقة الشرقية، ولكن عندما لم يسمع العمال لأمر ولي العهد بالعودة للعمل تحت التهديد بالطرد والفصل، اضطرت السلطات مرة أخرى بالعفو عن ناصر السعيد ورفاقه، مع قبولها للكثير من مطالب المضربين، وأهمها زيادة الأجور بنسبة 12- 20% وتزويد العمال بملابس العمل والغذاء وتوفير وسائط النقل ومنحهم درجات تأهيلية أعلى، وإنشاء أرامكو أول مدرسة لأطفال العمال، مع تخفيض ساعات العمل، وتشكيل لجنة اتصال بين العمال والإدارة.

وإن لم يحصل العمال على حق التنظيم النقابي لهم، ولكنهم أرغموا أرامكو على عودة ناصر السعيد إلى عمله في الشركة، بعد أن كانت فرضت عليه الإقامة الجبرية في حائل.

النهج الإصلاحي لناصر السعيد

بعد أن أطلق سراح ناصر السعيد في عام 1953 وخلال عودته إلى مسقط رأسه، أُعلن عن وفاة الملك المؤسس واستعداد حائل لاستقبال الملك الجديد سعود بن عبد العزيز ومبايعته، وليطلب منه أمير المدينة أن يُلقي خطاب ترحيب بالملك الجديد كبرهان على عودته لجناح السلطة، فوافق السعيد مستغلاً الفرصة لطرح مطالبه الإصلاحية على الملك الجديد، وهي المطالب التي لم تتوقف فقط عند المطلوب للارتقاء بحقول النفط وإنهاء مظالم العاملين هناك، ولكنها تعدت ذلك للمطالبة بتحسين أحوال كل المواطنين في الدولة من النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المختلفة، فكان خطابه الذي ألقاه في 11 ديسمبر 1953 أشبه بعريضة معارضة للنظام السعودى آنذاك، وقد استهله بالقول:

«باسم الله وباسم الحق، باسم العمال المعذبين، باسم الفلاحين الذين أصبحوا فريسة للمرابين، باسم البدو المشردين، باسم الشعب العظيم الذي حرم من نور العلم طويلاً طويلاً»، متعرضاً خلاله لتردي البنية التحتية في المملكة، مع تردي وضع المواطنين أنفسهم بسبب «الفقر والمرض والجهل اللعين»، وذلك بالرغم من الثروة التي بدت تلوح آنذاك في البلاد. وقد تبلوت رؤى ناصر السعيد الإصلاحية بشكل أكثر تفصيلاً في الرسالة التي بعث بها لاحقاً إلى الملك سعود من القاهرة ضمن منشورات الأحرار، وذلك في 1 يوليو 1958، وحيث تحددت مطالب السعيد في الآتي:

  • إقامة مجلس شعبي حر منتخب ممثلاً لأبناء الشعب كافة، وعلى أن يضع بعد انتخابه دستوراً مستمداً من القرآن والسنة النبوية الصحيحة، وعلى أن يكون الدستور عصرياً يتضمن حقوق الشعب ويحدد مهام السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
  • أن ينظر مجلس الشعب في قوانين تجارة الرقيق التي لا توجد –وقتها- إلا في المملكة، مع تأكيد حرية الصحافة وحرية العقيدة وحريّة المبدأ والتعبير والاجتماع، وقوانين تفرض التعليم الإجباري على كل ذكر وأنثى، وتفرض التجنيد الإجباري.
  • طالب السعيد كذلك بوضع قوانين لإصلاح حال العمال تسمح لهم بانتخاب اتحاد عمال نزيه يدافع عن حقوقهم ويمثلهم أمام الحكومة، وتُراعي مساواة العمال السعوديين في الحكومة بغيرهم من العمال الأمريكيين والأجانب.
  • اعتبر السعيد كذلك أول سعودي يطالب بحقوق الفلاحين، مطالباً بإصدار تشريعات تحمى حقوقهم وتحمي إنتاجهم وأراضيهم من سيطرة المرابين، وتعيد هيكلة قطاع الزراعة وإقامة التعاونيات الزراعية، وتحويل البدو الرحل الذين يعانون قحط العيش إلى مزارعين دائمين.
  • لم يغفل المناضل السعودي حتى عن المساجين، فطالب بتحويل السجون إلى أداة تعليم وتهذيب، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وإرجاعهم إلى عملهم وتعويضهم وتعويض أسر شهدائهم، مطالباً كذلك بإصدار قوانين تمنع التعذيب في السجون، وتمنع إسقاط الجنسية.
  • شدد السعيد كذلك على أهمية ملاحقة الفساد وتطويقه، وذلك بإيجاد ميزانية للمصروفات والواردات في جميع أنحاء الدولة تتماشى مع حفظ ثروة الشعب وتعمير البلاد، ووضع حد للتبذير ووسائل الترف والتصرفات الشخصية في ميزانية الدولة وأموال الشعب، وتوجيه تلك الأموال في سبيل تطوير المرافق العامة.
  • كانت هناك مطالب أخرى للسعيد اعتبرت آنذاك تحدياً للموروث السلفي، مثل مطالبته بحرية الاعتقاد للشيعة، حيث نادى بـ«إطلاق الحريات لأخواننا المواطنين من أبناء الشيعة لممارسة شعائرهم الدينية ومساواتهم في جميع مرافق الحياة العامة، وإلغاء الطائفية الممقوتة».
  • لم يكتف ناصر السعيد بالإصلاح الداخلي وإنما التفت إلى إصلاح السياسة الخارجية للمملكة، فطالب ليس فقط بالابتعاد عن التبعية لأمريكا، بل بالتمسك بسياسة الحياد الإيجابي والسير في قافلة التحرر العربي بقيادة جمال عبد الناصر.

نشاط ناصر السعيد في الخارج

كانت حركة ناصر السعيد قد اتسعت في عام 1956 بقيامه وزملائه في أرامكو بإضراب شامل بمطالب سياسية إصلاحية، ولتشهد الدولة حملة اعتقالات واسعة بين قيادات العمال، بعد أن أصدر الملك سعود مرسوماً ملكياً في 6 نوفمبر 1956 يحرم الإضراب ويعاقب القائمين به بالسجن، وسط شكوك في وجود أمر ملكي باغتيال ناصر السعيد، الذي غادر بلاده بصورة نهائية، وليصبح معارضاً قوياً للنظام السعودي من الخارج في الستينيات.

ففي عام 1962 افتتح السعيد من إذاعة صوت العرب من القاهرة برنامج «أعداء الله» الذي كان موجهاً ضد السعودية، وأشرف كذلك على برنامج إذاعي تحت اسم «أولياء الشيطان»، وانتقل خطوة أخرى في معارضته للنظام السعودي عندما اشتعلت ثورة اليمن في ذلك العام، حيث انتقل إلى هناك وافتتح مكتباً للمعارضة السعودية، وأسس تنظيماً أسماه «اتحاد شعب الجزيرة العربية»، والذي جمع أطيافاً من ذوي الأيديولوجيات المتباينة، كما كانت له عدة مؤلفات ضد النظام، ربما أهمها كتاب «تاريخ آل سعود» الذي لم تُنشر صفحاته كاملة، وكان ولا يزال نشره محظوراً في عدّة دول.

ولكنّ هذه المرحلة من نضال ناصر السعيد سرعان ما ضاقت إمكانياتها بعد هزيمة 1967، وإجراء مصالحة بين الرئيس عبد الناصر والملك السعودي فيصل بن عبد العزيز، وكان من نتائجها وقف أنشطة المعارضين السياسيين ضد الحكومتين، وليضطر السعيد للجوء إلى دمشق، مفضلاً عدم العودة للمملكة حتى بعد اغتيال الملك فيصل وإعلان الملك خالد العفو عن السجناء السياسيين في الخارج.

وحين اندلعت أحداث الحرم المكي في نوفمبر من عام 1979، وإعلان ناصر السعيد دعمه لهذا التحرك الذي شكّل تهديداً جدياً للنظام السعودي، لذا صار لزاماً على كل من أيّد هذا التحرك أن يدفع الثمن غالياً. وبالفعل نجحت المخابرات السعودية فيما يبدو في استدراج ناصر السعيد إلى بيروت المضطربة في ذلك الوقت، من خلال أحد أصدقائه من منظمة «فتح»، بحجة إجراء بعض المقابلات مع صحف أروربية، ولكنه اختطف خلال الزيارة في 17 ديسمبر 1979، ولتندثر قضية اختطافه رغم مرور 38 عاماً على اختفائه، مقرونة بذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...