معالم الأزمة الاقتصادية في تونس

0 164

في 17 ديسمبر/كانون الأول، أضرم البوعزيزي النار فى نفسه أمام مبنى بلدية سيدي بوزيد احتجاجاً على الظلم والفقر والبطالة. صبّ البوعزيزي جام غضبه على نفسه، فصبّ الثوار من بعده جام غضبهم على النظام التونسي الذي يقوده بن علي.

الآن، وبعد أكثر من ست سنوات، ما زال سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية يزكي نيران الغضب الشعبي في تونس. تجلى ذلك في تمدد الظاهرة الاحتجاجية زمنياً وجغرافياً خلال العالم الجاري حتى وصلت ذروتها خلال شهر مارس/آذار الماضي بنحو 1089 تحركاً احتجاجياً.

في منتصف أبريل/نيسان من العام الجاري، شهدت ولاية تطاوين التونسية واحداً من أبرز تلك الاحتجاجات وأكثرها استمراية. وبالنظر إلى الدوافع الأساسية خلف تلك الاحتجاجات، نجدها لا تختلف كثيرا عن تلك التي دفعت البوعزيزي إلى الإنتحار، وهي تفشي الفساد فى جسد الدولة، وغياب الحكم الرشيد، وانعدام الأمن، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات التضخم والبطالة والفقر وعدم المساواة.

أولاً: تردي الأوضاع الاقتصادية منذ الثورة

1. تراجع معدلات النمو الاقتصادي

لم يتجاوز معدل نمو الاقتصاد التونسي عتبة الـ 1% منذ الثورة، بل إنه حقّق معدلات نمو سالبة في 2011 وبعض شهور 2015. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها تراجع صادرات الفوسفات التي تمثل 9% من إجمالي عائدات الصادرات التونسية. فقد خرجت تونس من التصنيف العالمي لإنتاج الفوسفات بعدما كانت تحتل المرتبة الثانية عالميًا في 2010 بعد المغرب. وتشير البيانات إلى انخفاض إنتاج الفوسفات في تونس من 8 مليون طن فى 2010 إلى 2.6 مليون طن في 2015 أي بنحو 60%. ويرجع ذلك بالأساس إلى احتجاجات الأهالي فى المنطقة المنجمية بسبب سوء أوضاع التنمية والتشغيل، وتفشي الفقر والتهميش فى المنطقة منذ 2008.

بالإضافة إلى تراجع إنتاج الفوسفات، ساهم تراجع إنتاج النفط والغاز الطبيعي في زيادة حدة المشكلة، فقد تراجعت مساهمة شركات البترول في الميزانية التونسية من 3 مليار دينار عام 2010 إلى مليار دينار خلال العام الجاري. جاء ذلك كنتيجة مباشرة لتراجع الإنتاج من 110 ألف برميل يومياً في 2010 إلى 40 ألف برميل في 2017 بسبب الحركات الاحتجاجية، وغياب الأطر التشريعية، وانخفاض أسعار النفط.

كما جاء تراجع أداء قطاع السياحة كأحد أهم العوامل التي أثّرت بالسلب على معدلات النمو الاقتصادي. فقد أدت العمليات الإرهابية المتكررة – وأشهرها على الإطلاق هجوم بن قردان 7 مارس/آذار 2016 – إلى تراجع إيرادات قطاع السياحة من 3522.5 مليون درهم عام 2010 إلي 113.1 مليون درهم في 2016، أي بنسبة 96.8%.

2. الأزمة المالية

امتد الأثر السلبي لتراجع قطاعيْ السياحة والصادرات (خاصة الصادرات النفطية التي تمثّل 94% من إجمالي إيرادات الصادرات) للوضع المالي للدولة، كميزان المدفوعات الذي حقّق عجزاً بلغ 21.42 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2016. كذلك بلغ عجز الموازنة العامة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي 6% عام 2016، بعد أن كان 1% في 2010. أما عن الديْن العام كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، فقد قفز من 43% عام 2010 إلى 64% في بدايات 2017، لتحتلّّّ تونس المرتبة الخامسة عربياً فى نسبة المديونية بعد السودان ومصر ولبنان والمغرب.

3. معدل التضخم

أما عن معدل التضخم، فقد ارتفع من 3% عام 2010 إلى 5% في مايو/آيار 2017. هذا الارتفاع فى معدل التضخم جاء نتيجة تراجع سعر صرف الدينار التونسي أمام الدولار بنسبة 15.42% عقب تصريح وزيرة المالية لمياء الزريبي أن البنك المركزي سيقلّص تدخلاته لخفض الدينار تدريجياً، إلّا أنه لن يسمح بانزلاق كبير للعملة المحلية كما حدث في مصر إثر تعويم الجنيه في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

فاقم نسبة التضخم أيضاً، تراجع احتياطيات العملة الأجنبية لدى البنك المركزي التونسي إلى 5 مليارات دولار خلال يونيو/حزيران الجاري، أي ما يغطّي احتياجات تونس من الورادات لمدة 99 يوماً بعد أن كانت الاحتياطيات كافية لتغطية ورادات الدولة لمدة 140 يوماً في أواخر 2010. ومن المؤكّد أن تراجع الاحتياطي النقدي من شأنه الضغط على العملة المحلية مؤدياً إلى تراجعها أمام العملات الأجنبية.

4. معدل البطالة

وبالنسبة إلى معدل البطالة الإجمالي، فقد ارتفع من 13% عام 2010 إلي 14% عام 2016، أي أن أوضاع التشغيل لم تتحسن منذ الثورة حتى الآن، وهو ما يفسر تسارع وتيرة الاحتجاجات خلال الفترة الأخيرة في تونس، خاصة في احتجاجات تطاوين التي خرجت تطالب بشتغيل المتعطّلين عن العمل، وتخصيص 20% من أرباح الشركات البترولية للمحتجّين.

وبالنظر إلى الطبيعة الديموجرافية لفئة العاطلين، نجد أن 35% منهم من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 – 24 سنة فى 2016 بعد أن كانت تلك النسبة 33% فى 2010، ويرجع ارتفاع البطالة بين صفوف الشباب بشكل أساسي إلى الفجوة الواسعة بين مهارات شباب الجامعات ومتطلبات سوق العمل من ناحية، وجمود سوق العمل من ناحية أخري. فقد جاءت سوق العمل التونسية في المركز 132 من بين 138 دولة من حيث كفاءة سوق العمل وفقاً لمؤشر التنافسية العالمية الصادر عن المنتدي الاقتصادي العالمي.

هذا الوضع الاقتصادي المتردّي -كما عرضنا أعلاه- أجبر الحكومة التونسية على التفاوض مع صندوق النقد الدولي بشأن الحصول على قرض بقيمة 2.8 مليار دولار فى مقابل تنفيذ عددا من الإصلاحات الاقتصادية علي مدي أربع سنوات، كتجميد الوظائف فى القطاع العام، ورفع الضرائب على الشركات والأفراد، وتخفيض الأجور كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. إلا أن قوة الحركة النقابية والعمالية فى تونس أجبرت الحكومة على التراجع عن قراراتها مؤديا ذلك إلى وقف الصندوق صرف الشريحة الثانية من القرض.

ثانياً: اللامساواة وغياب العدالة الإجتماعية فى تونس

تعاني تونس خللا تنمويا هيكليا انعكس فى تفاوت توزيع الدخل فى البلاد بين الولايات الساحلية الشرقية وباقي الولايات الغربية والجنوبية، فمنذ استقلال تونس عن فرنسا فى خمسينيات القرن الماضي، عمل بورقيبة، أول رئيس بعد الاستقلال، على خلق دولة مركزية قوامها العاصمة وما يحيط بها من مدن ساحلية. وهو ما أدي إلى تمركز الاستثمارات الحكومية ورؤس الأموال والأنشطة الاقتصادية والمراكز الصناعية فى العاصمة على حساب الداخل الزراعي.

استمر الحال على ما هو عليه بعد وصول بن علي إلى سدة الحكم عقب انقلابه على نظام بورقيبة عام 1987، خاصة في ظل الأخذ بسياسات الاصلاح الاقتصادي والتكيف الهيكلي التى أبرمت مع صندوق النقد الدولي عام 1986، هذه السياسات النيوليبرالية ساعدت على تعميق الفجوة بين طبقات المجتمع التونسي، حيث قطفت الطبقة العليا من المجتمع ثمار الاصلاح الاقتصادي – كتخفيض الضرائب وتعديل قوانين الاستثمار- وحدها في حين تحملت الطبقات الفقيرة العبئ كاملا.

مع مرور الوقت أدت سياسات بن علي إلى تنامي اللامساواة بشكل مطرد بين الأقاليم، وهو ما حرم سكان المناطق الداخلية والجنوبية من فرص العمل وسبل العيش الكريم، في حين تشهد المناطق الساحلية تحسنا مطردا.

أطاحت الثورة التونسية بنظام بن علي وبنيته المؤسسية والتشريعية، إلا أن الممارسات الاقتصادية التى تنطوي على التمييز بين الأقاليم التونسية لم تنته بعد.

على سبيل المثال فقد احتلت ولاية تطاوين المرتبة الأولي بين الولايات التونسية من حيث ارتفاع معدل البطالة بنسبة 32% خلال الثلث الثاني من عام 2016، تليها ولاية قفصة بـ 28.2% ثم قبلي بـ 25.8% وهي جميعها ولايات جنوبية.

فى حين بلغ معدل البطالة فى ولايتي سوسة وصفاقص الشماليتين 6.6% و 9.8% على التوالي.

وهو ما يلفت الأنظار إلى طبيعة التناقض الصارخ داخل المجتمع التونسي، تفاوتات جغرافية تغزيها الفوارق الطبقية وتزيد من حدتها.

الخلاصة أن الوضع الاقتصادي والإجتماعي فى تونس لم يتحسن منذ الثورة، وهو ما أدي إلى تسارع وتيرة الإحتجاجات خلال تلك الفترة، دافعا المجتمع التونسي إلى حلقة مفرغة، فسوء الأوضاع الاقتصادية والإجتماعية يشعل نيران الاحتجاجات الشعبية التى تؤدي بدورها إلى عرقلة الانتاج والتصدير مؤدياً ذلك إلى مزيد من التدهور الاقتصادي.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...