كيف نقرأ معركة الجرود في لبنان؟

0 67

أي قراءة هادئة لمعركة جرود يجب أن تنطلق من أن لهذه المعركة وظيفتين أساسيتين: وظيفة لبنانيّة وأخرى سوريّة. في شهر مايو الماضي، أعلن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله، انسحاب عناصره من الحدود الشرقية للبنان مع سوريا، وتسليمها للجيش اللبناني. ما الذي تغيّر حتى قرر نصرالله أن يخوض المعركة بقواته؟

بدأ التحضير الإعلامي لمعركة الجرود على طول سلسلة الجبال الشرقية للبنان، عند الحدود مع سوريا، بالتزامن مع التوصل لتسوية أميركيّة ــ روسية في الجنوب السوري، تنص في أحد بنودها على إبعاد «العناصر الإيرانية» عن هذه المنطقة. وحزب الله يترأس لائحة «العناصر» هذه. في الوقت عينه، كان الجانب الأميركي يُحاول منع القوات الموالية لإيران من الوصول إلى الحدود العراقيّة ــ السورية، من الجهة السورية. وهو الأمر الذي عنى حينها كسر التواصل الجغرافي بين محور طهران ــ بغداد ــ دمشق ــ بيروت. كما أن هناك تسويات طالت أجزاء من الحدود الشمالية لسوريا، ولا تزال المفاوضات قائمة إلى جانب المعارك في أجزاء أخرى من الحدود الشمالية.

إذا، هناك عامل إقليمي لهذه المعركة، رغم إصرار نصرالله في «خطاب النصر» على نفي ذلك. فالحدود اللبنانية ــ السورية، لم تكن قد وضعت بعد على طاولة النقاش. إنهاء أي تواجد لجبهة النصرة وتنظيم «داعش» وما تبقى من فصائل الحرّ في هذه المنطقة، كان ضرورياً لإبقائها بعيدةً عن طاولة النقاش. وفي هذا السياق، تأتي عمليات سعي حزب الله لتنظيم عودة عدد من اللاجئين السوريين إلى قرى القلمون الغربي. وقد بدأت المفاوضات في هذا الملف قبل أشهر، لتبدأ أول عمليّة عودة لنحو خمسين عائلة في شهر حزيران الماضي. تعرقلت الدفعات اللاحقة بسبب قيام السلطات السورية بإجبار عدد من الشبان على الانضمام للجيش في سياق الخدمة العسكرية الإلزامية. وبعد مداهمات الجيش اللبناني لمخيمات اللاجئين واعتقال في جرود عرسال واعتقال العشرات ومقتل عدد منهم تحت التعذيب، عادت دفعة ثانية من اللاجئين في منتصف شهر تموز.

قد يبدو للوصلة الأولى الرابط بين هذه الأحداث غير متين. لكن حزب الله، ولإيران من خلفه، لا يرغب في اقتراب أي من القوى العسكرية من «حديقته الخلفية» أي منطقة القلمون الغربي، الممتد من بلدة القصير التي احتلها حزب الله عام 2013 إلى الزبداني، حيث توجد أهم القواعد العسكرية للحزب. لذلك، فإن انهاء المعارك العسكرية والمباشرة بعودة اللاجئين إلى بعض القرى والبلدات وليس جميعها، سيشكل عائقاً أمام التدخل في هذه المنطقة، وإبعاد شبهات التطهير المذهبي عن الحزب. وهي شبهات لها أساس قوي، خصوصاً مع ما يجري في دمشق من إجبار للتجار على بيع أملاكهم، وما جرى في مضايا والزبداني وغيرها من المناطق من عمليات تجويع ومصادرة للأراضي.

وفيما يخصّ العامل الداخلي، فإن كلّ المؤشرات تدل بأن لدى الحزب مطلق الحرية للقيام بما يراه مناسباً، خصوصاً بعد إنجاز الصفقة بين الحزب ورئيس الحكومة سعد الحريري، الذي أنجز بدوره صفقته الخاصة مع التيار الوطني الحرّ. نتيجة لهذه التسوية، بات اللاجئون السوريون في لبنان بلا أدنى حماية رسمية. وهو ما يسمح للسلطات الرسمية اللبنانيّة تحميل اللاجئين مسؤوليّة فشلها في إدارة الملفات الاقتصاديّة والاجتماعية والسياسيّة. وبما أن المجتمع اللبناني جاهز لاستقبال أي عمليّة تحفيز للشوفينية، فإن هذا يُعد مكسب للقوى المشاركة بالسلطة، وخصوصاً التيار الوطني الحرّ، قبل عشرة أشهر من الانتخابات النيابيّة.

تُعيد هذه التسوية، التي يعترض عليها عدد نواب وقيادات تيار المستقبل مثل الرئيس فؤاد السنيورة، التذكير بمرحلة التسعينات في لبنان. فبعد الحرب الأهليّة، تولى الرئيس رفيق الحريري إدارة الملف الاقتصادي، في حين تولت الوصاية السورية إدارة العمليّة السياسيّة والأمنية وتوزيع المغانم على الأزلام والتابعين. تبدو الصورة اليوم أشبه بتلك الصورة، خصوصاً مع تراجع سقف الحريات العامة والخاصة في لبنان، وانضمام معظم القوى السياسيّة إلى هذه التسوية والقبول بأن حزب الله هو «الأخ الأكبر» للنظام؛ ما عدا قلّة من القوى السياسيّة مثل حزب الكتائب واللواء أشرف ريفي ومجموعات مدنية معترضة.

لكن ما علاقة ذلك بمعركة عرسال؟ بسبب إجماع اللبنانيّين على العداء لجبهة النصرة و«داعش» الذين استهدفا الداخل اللبناني بأعمال إرهابية، تمكّن حزب الله من إعادة تقديم نفسه للبنانيين بصورة «المنقذ» أو «المحرر»، وخفض الانقسام الداخلي حول سلاحه إلى الحدود الدنيا منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وما تلاه من اغتيالات ثم اجتياح حزب الله لبيروت عام 2008، ومشاركته في الحرب السورية. استطاعت معركة الجرود، والتمهيد الإعلامي الذي سبقها من تقديم حزب الله في أبهى صورة له. كانت أشبه بعمليّة إعادة انتاج للعلامة التجارية. وهي عمليّة ناجحة للحظة.

العمليّة العسكرية لحزب الله في الجرود هي إعلان انتصار في الداخل اللبناني. أعلن إعلام حزب الله هذا الانتصار. وصل الأمر ببعض الإعلاميين المقربين منه إلى تهديد المختلفين بالقضاء عليهم. هو انتصار. وهو استعادة لمرحلة الاحتلال السوري للبنان، لكنها بنكهة إيرانية.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...