إيران والاقتصاد الخليجي: سيناريوهات الأزمة

0 295

خفض التمثيل الدبلوماسي مع إيران، وإغلاق الملحقيات ومغادرة العناصر التابعة والمرتبطة بالحرس الثوري الإيراني من الأراضي القطرية، وتقليص التعاون التجاري مع إيران إلى الحد الذي لا يخل بالعقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على طهران وبما لا يخل بأمن مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وكذلك قطع أي تعاون عسكري أو استخباراتي مع إيران.

كانت تلك الشروط ضمن ثلاثة عشر مطلباً شملتها وثيقة أرسلتها المملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر للتراجع عن قرارها بمقاطعة قطر، لاعتبارهم أن تلك العلاقة الحميمة بين قطر وطهران تشكل خطراً كبيراً على المنطقة. وتلك الشروط وإن كان لها مدلول اقتصادي فسيكون بصورة سلبية على إيران بصورة أكبر – في ظل سيناريوهات التوصل لحلول ممكنة لإنهاء الأزمة الراهنة بين قطر وشقيقاتها الخليجية.

التقارب الاقتصادي بين إيران وقطر

منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، وقطر تسعى لتطوير العلاقات الاقتصادية مع إيران بكافة الأشكال، في رغبة منها لجذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات الإيرانية في ظل التمنع المتبع من أماكن أخرى في الخليج عن قبول مزيد من التوغل الاقتصادي بها، وبحسب بيانات موقع خريطة التجارة العالمية (Trade Map)، تضاعف حجم تجارة قطر مع إيران في العام 2015 إلى نحو 108.5 مليون دولار مقابل 58 مليون دولار خلال 2014، وذلك بعد أن قفزت واردات قطر من إيران في العام 2015 إلى نحو 104 مليون دولار بعد أن كانت 50.8 مليون دولار في 2014، فيما لم تتجاوز صادرات قطر لإيران مستوى 4.2 مليون دولار في العام 2015.

وشهدت العلاقات الاقتصادية الإيرانية القطرية تطوراً صاحبه حالة من الانفتاح والتعاون التجاري والاقتصادي بين الجانبين٬ والدخول في مشاريع مشتركة مروراً بتوقيع بعض الاتفاقيات التي كان من أهمها إنشاء منطقة حرة للتجارة المشتركة بمدينة بوشهر داخل إيران خلال العام 2014، بحيث تصبح قطر مركزاً لتصدير السلع الإيرانية بما في ذلك الخضروات والفواكه ومنتجات الدواجن واللحوم والاسماك بالإضافة إلى مواد البناء.

وهناك حقل الغاز المشترك بين كل من إيران وقطر في مياه الخليج العربي – البالغ مساحته 9700 كيلومتر مربع، وتمتلك قطر 6000 كيلومتر مربع منه، وإيران 3700 كيلومتر مربع منه – والذي يعد بمثابة عاملاً أساسياً لاستمرار العلاقات بين البلدين، حفاظاً على مصالحهما في الحقل المشترك، خاصة أن إيران بدأت الاستثمار في هذا الحقل بعد أن وقعت اتفاقاً مبدئياً مع توتال الفرنسية في نوفمبر 2016، لتطوير الجزء الذي يخصها من الحقل. فمن ناحية قطر في حاجة لمواصلة استثماراتها في ذلك الحقل قطر في خشية منها من فقدان مكانتها في سوق الغاز الطبيعي العالمي بعد أن تجاوزتها استراليا خلال العام 2016. ومن ناحية أخرى تنظر إيران – التي تعاني من نقص حاد في إنتاج الغاز المحلي – إلى زيادة إنتاجها من حقل «بارس الجنوبي» أو حقل الشمال كما تطلق عليه قطر بوتيرة سريعة باعتبارها أولوية قصوى من أجل تنمية مواردها الغازية بعد سنوات طويلة من تعليق الإنتاج والاستفادة من الحقل في ضوء العقوبات الغربية.

وفي خضم الأزمة الخليجية القطرية، عرضت إيران على قطر منحها مواد غذائية، كبديل عن تلك التي تستوردها قطر من البلدان الخليجية، وذلك عقب الحصار العربى لقطر وغلق الحدود والمنافذ البرية والبحرية مع الدوحة. وبحسب تصريحات وكالة فارس للأنباء الإيرانية، ترسل إيران يومياً لقطر عبر البحر حوالى 1100 طن من الفاكهة والخضراوات، حيث يتم تصدير 350 طناً يومياً إلى الموانئ القطرية من ميناء دير و750 طناً من مينائي بو الخير وطنجستان، ومن هنا يبدو واضحاً أن الدوحة لن تضحى بعلاقات واستثمارات بمليارات الدولارات مع إيران.

المصالح الاقتصادية الخليجية الإيرانية: استمرار حذر

ليست قطر الدولة الخليجية الوحيدة التي تربطها علاقات اقتصادية مع إيران، فهناك الإمارات التي لها علاقات اقتصادية مع إيران تفوق كثيراً قطر وكذلك عمان التي تبدو علاقتها الاقتصادية وطيدة للغاية مع إيران، فعلى الرغم من التباين الكبير في الرؤى الاستراتيجية لكل من الدول الخليجة وإيران تجاه القضايا السياسية والأمنية والدينية في المنطقة – فيما يتعلق بالتواجد الشيعي وطموحه بالتوغل في المنطقة – نجد أن هناك نوع من التقارب الافتصادي بين الطرفين.

ورغم عدم وجود إحصائيات متفق عليها حول معدلات التبادل التجاري بين إيران ودول الخليج، إلا أن التقديرات تُشير إلى بلوغ معدل التبادل التجاري بين الإمارات وإيرن نحو 30 مليار دولار سنوياً، ذلك في ظل مواصلة التعامل التجاري مع إيران حتى قبل التوصل للاتفاق النووي بين طهران والقوى الدولية في 2015، علماً بأن الإمارات تستحوذ حالياً على 80% من حجم التبادل التجاري بين إيران ودول مجلس التعاون الخليجي.

أما المسار الاقتصادي بين إيران والكويت، فقد شهد نموًا ملحوظًا منذ يناير من عام 2015، إذ أسفرت الزيارة الرسمية التي قام بها الشيخ صباح الأحمد الجابر الأحمد عن توقيع ست اتفاقيات تعاون في المجال الاقتصادي بين البلدين، وسبق أن وقعت الكويت على اتفاقية بشأن التعاون في الشؤون الجمركية، لتسهيل إجراءات التبادل التجاري الذي وصل لنحو 150 مليون دولار، وفقاً لآخر إحصاءات رسمية معلنة عن العام 2014.

وعن سلطنة عمان، فتعتبر من أبرز دول الخليج المتعاملة اقتصادياً مع إيران، خاصة قرب الاتفاق النووي، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 877 مليون دولار، ويوجد في عمان ما يقرب من 259 شركة إيرانية مسجلة وتمارس نشاطاً تجارياً في البلاد. وبحسب بيانات وكالة تومسون رويترز الإخبارية؛ وقع الصندوق السيادي العماني – في يناير/كانون الثاني من عام 2016 – مذكرة تفاهم مع خودرو الصناعية أكبر شركة لإنتاج السيارات في إيران لدراسة مقترح بشأن إقامة مصنع سيارات بقيمة 200 مليون دولار في السلطنة.

وربما أقل دول الخليج تعاوناً مع إيران هما المملكة العربية السعودية، فمن جهة تدخل السعودية في سلسلة من الخلافات مع إيران، يعتبر أبرزها الملف النفطي حيث تسعى إيران لزيادة إنتاجها النفطي لاستعدادة الحصص السوقية التي فقدتها في ظل العقوبات، وفي الوقت ذاته تخشى السعودية من ارتفاع النفوذ الإيراني في سوق النفط العالمية بما يُزيد من قوتها الاقتصادية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، لذا لم يتجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 500 مليون دولار.

وومن جهة أخرى تسيطر على العلاقة الاقتصادية بين كل من البحرين وإيران نوع من التوتر بسبب الخلافات السياسية الناتجة عن اتهام البحرين للأخيرة بالتدخل في شؤونها المحلية، لكن يبدو أن التعامل اقتصادياً مع إيران هو أمر مقبول عنه في السعودية، ودلائل ذلك استمرار التعاون من خلال توقيع اتفاقاً بين البلدين يتعلق بمنع الازدواج الضريبي وتشجيع ودعم التبادل في مجال الاستثمار بين البلدين. كذلك بهدف تسهيل الاستثمار البحريني في إيران، أقرت إيران قانون يمنح تسهيلات للمستثمرين البحرينيين الراغبين في تشجيع الاستثمار بها.

فمن الواضح أن العلاقات وإن كانت متأرجحة بين الخليج وإيران على المستوى السياسي والأمني، إلا أنها مستقرة بشكل جيد بينهما، نظراً لحاجة كل منهما للآخر. لذا من غير المنطقي أن تطلب الحكومات الخليجية من قطر تقليص التعامل الاقتصادي مع إيران في وقت تتوسع فيه العلاقات بينهم وبين إيران، في ضوء الحاجة الخليجية للاستثمارات الإيرانية المتوغلة في العديد من القطاعات.

سيناريوهات التعاون في ظل الأزمة

رغم التهديدات المستمرة من المستثمرين العرب – والمتضامين مع دول الخليج في ظل الأزمة – بسحب أموالهم من قطر، إلا أن قطر تعتبر واحدة من أغنى البلدان في العالم، ولديها استثمارات كبيرة في كثير من دول العالم، بما يُشير إلى أن قطر بإمكانها تحمل قطع العلاقات. فقطر تنظر إلى إن مطالب السعوديين والإماراتيين والبحرينيين والمصريين باعتبارها فرض عين لإجبارها على أن تتماشى سياساتها المحلية والخارجية مع الرؤية الإقليمية للمملكة العربية السعودية، أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط، وذلك من غير المتوقع في ظل السياسة القطرية الرامية إلى الحفاظ على مكانتها الاقتصادية والسياسية المستقلة على مستوى المنطقة. وهنا يبدو أن التعاون بين قطر وإيرن وكذلك بين دول الخليج قد ينتهج إحدى السيناريوهات التالية:

1. تصعيد الموقف بقطع العلاقات نهائياً

هناك خيار – ولو كان بعيد عن أرض الواقع – بأن تلجأ دول الخليج للإعلان عن قطع علاقاتها نهائياً مع قطر في ظل رفض الرضوخ لمطالب الوثيقة التي أرسلتها السعودية لقطر والتي شملت على 13 مطلباً أبرزها تقليص التعاون مع إيران. وذلك الخيار لو تم اتباعه سيتم من خلال دول الخليج وحلفائها المعلنين عن مقاطعة قطر، ومن غير المرجح أن تلجأ إليه الحكومة القطرية وذلك بمنطق أن السئ قد حدث بالفعل ولذلك ليس هناك داعي للمبادرة بالصدام.

فعلى الرغم من أن الأسواق المالية القطرية والقطاعات الاقتصادية المختلفة قد تأثرت بشكل كبيرة خلال الأيام التي تلت الأزمة، إلا أن الوضع قد هدأ منذ ذلك الوقت حيث حصلت قطر على مصادر بديلة للأغذية المستوردة من إيران وتركيا وأماكن أخرى، مما يعني أن الحصار العربي لن يضع قطر في أزمة كبيرة. وفي هذا الإطار قد تنتهج قطر سياسة معاكسة رامية إلى زيادة التعاون الاقتصادي مع إيران، خاصةً في مشروعات الغاز الطبيعي والغذاء.

2. بقاء الوضع على ما هو عليه

بحسب تصريحات وزير الاقتصاد القطري أحمد بن جاسم آل ثاني، سيكون بمقدور قطر الحفاظ على مستوى المعيشة المرتفع لسكانها رغم قطع بعض الدول العربية العلاقات الدبلوماسية والتجارية معها، ذلك في ضوء ما لديها احتياطيات من المواد الأولية الضرورية التي تكفي لتمويل مشروعات التشييد الرئيسية على المدى القصير وربما المتوسط. فالمقاطعة بالأساس استهدفت القطاع التجاري وبالتالي وإن كان وقع الأضرار قوي على قطاعات بعينها، فذلك لن يُضعف كثيراً من قوة الاقتصاد القطري، في ظل البحث عن بدائل لتعزيز الاستثمارات الأجنبية من خلالها – وأول البدائل هنا بالطبع هما إيران وتركيا.

والمتوقع هنا أن تُبقي قطر على علاقتها الاقتصادية مع إيران على الوضع القائم دول الإعلان عن مزيد من التعاون، وفي الوقت ذلك تُبقي دول الخليج على علاقتها الاقتصادية مستمرة بقطر – مع استمرارها في تبني موقفاً سياسياً معادياً – ذلك في ظل ارتفاع حجم التبادل التجاري بين قطر وكل من السعودية، الإمارات، البحرين ومصر، لنحو 9,2 مليار دولار، وبلوغ واردات قطر من تلك الدول خلال العام 2016 لنحو 4,5 مليار دولار، مقارنة بصادرات 4,77 مليار دولار، لذا من المصلحة العامة لكل الدول بقاء الأوضاع كما هي عليه.

3. تقليص التعاون القطري – الإيراني تنفيذاً للمطالب

فقد تلجأ قطر لتحسين علاقتها مع جيرانها من الدول الخليج بالتضحية بعلاقاتها مع إيران، لكن هذا الخيار ضعيف جداً في ضوء الأوضاع المحلية والعالمية الراهنة. فإيران – رغم مشكلاته الاقتصادية والسياسية التي يمر بها منذ سنوات في ضوء العقوبات الدولة – يعتبر ثاني أكبر الاقتصادات حجمًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وآسيا الوسطى، التي تعتبر منطقة جذب استثماري للشركات العالمية، فالسوق الإيراني البالغ نحو 80 مليون نسمة ذو قيمة استثمارية كبيرة، بما يعني أنه سوق لا يمكن التضحية به – في وقت تتبع فيه دول الخليج سياسات تقشفية.

وفي كل الأحوال ليس من مصلحة دول الخليج قطع العلاقات مع قطر نظراً للتوغل الاقتصادي القطري في كثير من قطاعات الاقتصادي الحيوية في عدد من الدول الخليجية، إذ تبلغ نسبة الاستهلاك الإماراتي من الغاز القطري نحو ثلث الاستهلاك اليومي. وتضخ قطر يومياً نحو 56 مليون متر مكعب من الغاز يومياً إلى الإمارات، ما يعني أن قطع إمدادات الغاز ستشكل كارثة لدولة الإمارات، مما يؤثر بصورة كبيرة ذلك على محطات توليد الكهرباء في دبي وأبو ظبي.

كذلك تعاني دول الخليج في الفترة الراهنة – وبخاصة المملكة العربية السعودية – من تسجيل عجز في الموازنة في ظل التراجع الكبير في أسعار النفط العالمية ولا يزال أدائها الاقتصادي رهن الأداء المتقلب لأسعار النفط، وثمة اتباعها لخطط اقتصادية من أجل للتوسع في الاقتراض الداخلي والخارجي، والدخول في برامج لخصخصة المنشآت العامة، وتخفيض الدعم على السلع والخدمات، وتسريح واضح للعمالة الأجنبية مما يعني تبنيها لخطط تقشفية من أجل النهوض باقتصادها مرة أخرى ومن ثم من المستبعد دخولها في موقف تصعيد مع قطر – وحلفائها تركيا وإيران – وما هو متوقعاً بقاء الأوضاع كما هي عليها باتخاذ تلك الدول موقفاً صريحاً من قطر، في ظل التوقعات ببقاء العلاقات الاقتصادية بين الخليج وقطر من ناحية، وقطر وإيران من ناحية أخرى مستمرة دون توقف.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...