تحديات حفتر في تطويق مصراتة: بين الجغرافيا والقوة العسكرية

0 1٬195

نجح اللواء خليفة حفتر قائد عملية الكرامة في جعل نفسه أحد الفاعلين العسكريين والسياسيين في ليبيا ليس من خلال تحقيق انتصارات عسكرية كبرى لكن من خلال تحالفات ناجحة دولياً ومحلياً واغتنام الفرص لخلق حالة من حالات الزخم حوله في ظل الفوضى التي تضرب ليبيا والمنطقة.

نجح حفتر في السيطرة على أغلب إقليم برقة الليبي الغني بالنفط والمتاخم للحدود المصرية، كما نجح أخيراً في السيطرة على مدينة بنغازي بعد 3 سنوات من المعارك طويلة ضد ميليشيات محلية صغيرة والتي أدت إلى تدمير أجزاء كبيرة من المدينة ولكنه نجح في النهاية أن يسيطر علي شرق ليبيا، وإن كان هناك تشكيكا حول قدرته السياسية والعسكرية في السيطرة على كامل الأراضي الليبية نظراً لاستغراق عملية الكرامة أكثر من 3 سنوات لإخضاع الجيوب الصغيرة في مدينة بنغازي لسيطرته بالإضافة إلى أن خصمه في الغرب الليبي هي مدينة مصراتة صاحبة أكبر قوة عسكرية برية في البلاد.

خريطة توزيع القوى العسكرية ومناطق النفوذ في ليبيا

أفرزت المعارك العنيفة التي اندلعت في ليبيا منذ صيف 2014 قوتين عسكريتين رئيسيتين هما عملية الكرامة وقوات مدينة مصراتة ويندرج تحت القوتين العشرات من المليشيات الصغيرة، علاوة علي ذلك انتشار المليشيات المناطقية في أحياء المدن الكبرى أو ميليشيات محلية في المدن الصغيرة التي تقف في أغلبها علي الحياد ،ووسط تلك الفوضى الأمنية يقف الطرفين العسكريين الأكبر في ليبيا في حالة من حالات توازن الرعب الناجم من عدم قدرة الطرفين علي حسم الصراع لوجود صعوبات عسكرية ولوجستية تحول دون ذلك بالإضافة إلى الصعوبات السياسية والاقتصادية التي تواجه الطرفين في علاقاتهم الخارجية والداخلية.

يسيطر حفتر علي المنطقة الممتدة من الحدود المصرية شرقاً إلى منطقة بن جواد حيث يعيش 30٪ من سكان ليبيا، ونجح حفتر في ضم المناطق الجنوبية الشرقية من ليبيا والوصول إلى مثلث الحدود المصرية السودانية، ويتمدد حفتر وقواته بهدوء للسيطرة على المنطقة الوسطى والجنوبية من البلاد التي تتسم بقلة أعداد السكان وتضاريسها الصحراوية، مثل معارك حفتر الأخير للسيطرة على منطقة الجفرة حيث يتركز بعض من قوات مجلس شوري الثوار المناوئ لحفتر ونجح حفتر مؤخراً في السيطرة عليه، في المقابل تسيطر قوات مصراتة علي المنطقة الممتدة من سرت إلى مدينة طرابلس حيث يعيش حوالي 60٪ من سكان ليبيا، بالإضافة لوجود قوات الفرقة الثالثة التابعة لها متمركزة في الجنوب الليبي في سبها أكبر مدينة في الجنوب الليبي حيث تعيش قبائل كبيرة مثل أولاد سليمان والمقارحة، وتقاسمت قوات حفتر ومصراتة السيطرة علي قاعدة براك الشاطئ الجوية من خلال تحالف حفتر مع قبيلة المقارحة، وتسيطر مصراتة من خلال تحالفاتها مع كتائب في مدينة الزاوية وبعض الميليشيات المحلية علي أغلب خط الساحل في المنطقة الممتدة من غرب مدينة طرابلس وصولاً إلى معبر رأس الجدير الحدودي مع تونس، وإن كان هناك بعض المناطق التي لديها عداء مع مصراتة جنوب طرابلس مثل قوات مدينة ورشفانة حيث يتمركز جيش القبائل من بقايا قوات القذافي.

علاوة علي ذلك تمتلك مصراتة علاقات جيدة مع الكتائب المحلية الصغيرة للمدن العربية والأمازيغية المتناثرة في جبل نفوسة والتي تقف في أغلبها علي الحياد في الصراع الدائر أو بحياد مشوب بالود لمصراتة نظراً لكره المدن الآمازيغية علي وجه الخصوص لكتائب مدينة الزنتان وبقايا قوات لواء القعقاع التي تسيطر علي جزء ليس بقليل من جبل نفوسة. أما باقي المناطق الجنوبية والجنوبية الغربية فتخضع لسيطرة قبائل التبو والطوارق حيث تتركز الأخيرة في منطقة غات.

التوازن العسكري

عند اندلاع الثورة الليبية قدر عدد الأسلحة الموجودة في المخازن بــ24 مليون قطعة سلاح مختلفة أصبحت منتشرة في يد الأفراد والميليشيات المختلفة وأصبحت ليبيا مركز لتجارة السلاح غير الشرعية، فمعظم الكتائب والمليشيات الصغيرة الممتدة في طول البلاد وعرضها تعتمد في تسليحها علي الأسلحة الروسية الصغيرة والمتوسطة مثل راجمات الصواريخ والرشاشات المضادة للطائرات عيار 14 و23 حيث يتم استخدامها علي سيارات نصف نقل بالإضافة إلى قذائف الآر بي جي ومدافع الهاون إلا أن المليشيات الكبيرة مثل قوات مدينة مصراتة وقوات اللواء حفتر التي تسمي الجيش الوطني لديها أسلحة ثقيلة مثل الطائرات والدبابات والمدفعية الثقيلة، أغلب تلك الأسلحة روسية الصنع مثل دبابات T60 وT 72, MD .

هناك نوع من أنواع التوازن النسبي بين قوات عملية الكرامة ومصراتة حتى الآن، فحفتر لديه ميزة نسبية وهي ميزة التفوق الجوي حيث يمتلك قدرات جوية في حين أن خصمه مصراتة لا يمتلك قدرات جوية تذكر، بالإضافة إلى وجود دعم إقليمي لا تحظي به مصراتة حيث يوجد تنسيق أمني مع كل من مصر ودولة الإمارات وهناك دعم جوي ولوجستي يقدمهما مصر والإمارات لقوات حفتر بالإضافة إلى ذلك هناك قاعدة جوية إماراتية صغيرة بالقرب من مدينة المرج في الجبل الأخضر حيث تم تحويل مطار زراعي في المنطقة لقاعدة إماراتية لتنفيذ عمليات جوية ومساعدة قوات حفتر، علاوة ذلك هناك دعم إمارتي لقوات عملية الكرامة وفقاً لما ذكرته تقارير الأمم المتحدة حول انتهاكات تصدير الأسلحة لطرفي النزاع في ليبيا، حيث ذكرت تلك التقارير أن قوات اللواء حفتر حصلت علي شحنة 4 مروحيات قتالية مصنوعة في بيلاروسيا من طراز Mi-24P في عام 2015 بالإضافة إلي حصول حفتر علي سيارات هامفي ومدرعات نمر إماراتية الصنع وكذلك الحصول على ذخائر.

يعاني حفتر من قلة أعداد المقاتلين نظراً لعدم مشاركة قبائل الجبل الأخضر حلفاء حفتر السياسيين بقوة في العمليات العسكرية واعتماده بشكل أكبر علي بقايا الجيش الليبي مثل قوات الصاعقة وبعض الميليشيات المحلية التي تعمل لصالحه كمرتزقة، بالإضافة إلى اتهامه باستخدام مرتزقة تشاديين وسودانيين علي وجه الخصوص من حركة العدل والإحسان من إقليم دارفور السوداني، في محاولة لتعويض النقص العددي الذي يعاني منه.

في المقابل تمتلك مصراتة أكبر قوة برية شبه نظامية في ليبيا حيث تمتلك قوتها خبرة قتالية كبيرة وقيادة عسكرية قوية ومنظمة، ويقدر عدد الدبابات التي تمتلكها مدينة مصراتة ب 150 دبابة حيث تمتلك أسطول الدبابات الأكبر في ليبيا. بالإضافة إلى امتلاكها أعداد أكبر من المقاتلين حيث قدر عدد القوات بمدينة مصراتة ب 35 ألف مقاتل ،وفيما يشكك البعض في حجم هذا العدد تظل مصراتة هي صاحبة العدد الأكبر من المقاتلين في ليبيا وقد تكبدت مصراتة خسائر أكثر من 600 قتيل و2000 مصاب في عملية تحرير مدينة سرت من قبضة تنظيم داعش الإرهابي. وحصلت مصراتة علي دعم عسكري في السنوات الماضية من كل من قطر وتركيا لكن لا يمكن الجزم باستمرار هذا الدعم حتى الآن حيث لا تتوفر معلومات كافية حول وجود دعم عسكري لمدينة مصراتة على الرغم من حصول مصراتة على دعم لوجستي أنجلو أمريكي أثناء عملية طرد عناصر داعش من سرت.

سيناريو تقدم حفتر ومحاولة تطويق مصراتة

هناك الكثير من العقبات الجغرافية واللوجستية والعسكرية التي تقف حائلا دون أن يقوم طرفا النزاع في ليبيا بشن هجوم شامل للسيطرة على كامل مساحة البلاد، أول هذه العوائق هو اتساع مساحة البلاد وسيطرة الصحاري الشاسعة علي أغلب هذه المساحة، بالإضافة إلى قلة عدد السكان حيث يتركز السكان في الشمال الشرقي و الغربي للبلاد في حين تشكل المنطقة الشمالية الوسطى حول خليج سرت منطقة برزخية فاصلة بين سكان شرق وغرب ليبيا، بالإضافة إلى كون صحراء المنطقة الوسطى تشكل عائقا أمام تقدم الطرفين،وهناك عامل آخر وهو طول الساحل الليبي والمسافة بين مناطق سيطرة حفتر ومصراتة حيث تشكل صحراء المنطقة الوسطى مسافة 400 كيلو تفصل بين الجانبين.

عسكرياً لا يمتلك حفتر القوة البرية الكافية لشن هجوم شامل عبر المنطقة الوسطى بالإضافة إلى أن القوة الجوية لحفتر لن تستطيع المشاركة بكفاءة نظراً لبُعد المسافة حيث ستحتاج طائرته للتزود بالوقود. في المقابل مصراتة تمتلك قوة برية أكبر قد تسمح لها بشن عملية عسكرية علي قواعد حفتر في الشرق لكن عامل المسافة والدعم اللوجستي سيكون تحدي هو الأخر لمصراتة مع عدم امتلاكها لقوة جوية ما يجعل من قواتها المتقدمة هدف سهل استهدافه من جانب طائرات عملية الكرامة.

يسعى حفتر بحذر شديد السيطرة على المنطقة الوسطى والجنوبية من البلاد حيث مناطق الجفرة وصولاً إلي سبها، إذ نجح حفتر في السيطرة على سبها وما حولها من خلال تحالفه مع قبيلة المقارحة القوية في الجنوب بالإضافة إلى قبائل التبو ستسمح له بالإتصال بخصوم مصراتة في الغرب بمدينة الزنتان حيث تتلامس مناطقه مع مناطق الزنتان مما سيسمح له بالتنسيق معهم في عمليات عسكرية أكبر ضد مصراتة علي عدة جبهات وتوفير أسلحة وذخائر لقوات الزنتان التي هُزمت هزيمة كبيرة في عام 2014 على يد قوات مدينة مصراتة.

الزنتان ليست الخصم الوحيد لمصراتة في الغرب فهناك خصوم أصغر لديهم الرغبة في الانتقام من مصراتة، مثل مدينة بني الوليد معقل قبيلة ورفلة الخصم التاريخي لمصراتة بالإضافة إلي ورشفانة وجيش القبائل، والحل الوحيد لحفتر لهزيمة قوات مصراتة هو أن ينجح في تطويقه وتشتيتها من خلال سلسلة انتفاضات متزامنة من أعداء مصراتة في الغرب بهدف السيطرة على مدينة طرابلس عاصمة البلاد يصاحبها تقدم واسع لقوات حفتر صوب الغرب حيث تبقى قوات مصراتة مشتتة لا تستطيع القتال علي جبهات عدة في نفس الوقت، واذا خسرت مصراتة سيطرتها علي طرابلس ستكون خسرت الكارت الأكثر أهمية لديها وقد يقودنا ذلك لصيغة جديدة للعملية السياسية في ليبيا قد تجبر فيها مصراتة علي قبول شروط خصومها أو قد تخرج منها منتصرة!

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...