الأزمة الخليجية وما تعنيه لأسواق الغاز

0 845

عندما اندلعت الأزمة الخليجية على إثر الحظر الشامل الذي فرضته العواصم الخليجية الثلاث، الرياض، أبو ظبي، والمنامة على الدوحة، كانت أسواق الغاز الطبيعي المُسال مترقبة تداعيات الحدث على إمدادات الغاز القطرية إلى الأسواق العالمية. تعد قطر أكبر مُصدر للغاز الطبيعي المُسال في العالم بنصيب ثلث الإمدادات السوقية. تعطل إمدادات الغاز القطرية كان يعني حدوث صدمات سعرية في الأسواق الإقليمية المستوردة للغاز القطري بكثافة (في جنوب وشرق آسيا وأوروبا). ولكن قلّل مراقبون في بداية الأزمة من احتمالات توقف إمدادات الغاز القطرية أو تعطلها، مع عدم وجود عوائق تحول دون مرور سفن النقل المحملة بالغاز القطري عبر مضيق هرمز أو قناة السويس إلى الأسواق العالمية.

خلال العقود السابقة، كان توتراً سياسياً في منطقة الخليج أو عسكرياً قرب منطقة منتجة لخام النفط كفيلاً برفع أسعاره إلى مستويات عالمية بسبب مخاوف بتأثر الإمدادات النفطية، ولكن مع تدفق النفط من المُصدرين من دول غير الأعضاء في منظمة الأوبك، وخاصة خلال هذا العقد، تآكلت تدريجياً أهمية المُصدرين التقليديين الموجودين في الشرق الأوسط (وخاصة الرياض) لصالح منتجي النفط غير التقليدي، أو ما يعرف بالنفط الأحفوري أو الصخري.

تسير أسواق الغاز العالمية في مسار مشابه للتحولات التي جرت في التجارة العالمية لخام النفط. فبتوسع استخراج الغاز الأحفوري وتراجع كلفة تسييل الغاز المُستخرج، تأثر موقع المُصدرين التقليديين للغاز المُسال كالدوحة في مقابل مصدرين صاعدين كأستراليا (بنصيب ١٧.٢ في المائة من الإمدادات السوقية العالمية) في شرق آسيا. وبرفع قيود تصدير الغاز الأحفوري في الولايات المتحدة الأمريكية، وجد الغاز الأمريكي المُسال طريقه إلى أوروبا قرب منتصف ٢٠١٦ ووصلت أول شحنة غاز أمريكية إلى الصين في النصف الثاني من نصف ذلك العام. مؤثرة بذلك على آليات التسعير في غير صالح المُصدرين التقليديين للغاز المُسال كالدوحة.

قبل اندلاع الأزمة الخليجية بأسابيع، وقّعت وزارة التجارة الأمريكية اتفاقاً مع بكين يقضي بالسماح لشركات الطاقة الصينية (المملوكة من قبل الدولة) الضوء الأخضر بالتفاوض مع موردي الغاز المُسال الأمريكي على عقود استيراد طويلة. ستسهم هذه الخطوة في كسر هيمنة المُصدرين التقليديين على أسواق الغاز في شرق آسيا. ومع ذلك، يرى مراقبون أن محدودية السعة التصديرية للغاز الأمريكية المُسال مع وجود معظم محطات التسييل والشحن على سواحل خليج المكسيك تعيق تصدير كميات معتبرة من الغاز المُسال إلى الصين.

إلا أن هذه التدفقات المتزايدة إلى السوق الآسيوية تعطي قدرة أكبر لكبار مستوردي الغاز المُسال على التفاوض والضغط على المنتجين للحصول على أسعار أكثر تنافسية. في مارس/آذار، وقع كبار مستوردي الغاز المُسال في شرق آسيا (اليابان، كوريا، والصين) مذكرة تفاهم تقضي بتشارك معلومات السوق وتنسيق عمليات الشراء. وإن لم يكن واضحاً لأي حد سيكون الاتفاق السابق ذكره فعالاً ومؤثراً في الضغط على المصدرين للحصول على أسعار أكثر تنافسية، إلا أن الأزمة الخليجية وتبعاتها الجيو-اقتصادية تعطي دفعة للمستوردين للضغط على الدوحة.

ويبدو أن أصداء الأزمة الخليجية بدأت في تحفيز المستوردين الكبار للغاز المُسال القطري في الضغط على الدوحة. في ٢٠ من شهر يونيو/حزيران الجاري، اشترطت الهند على قطر الاستثمار في محطات توليد الطاقة الخاصة لها في مقابل الاتفاق على عقود طويلة المدى لتوريد الغاز الطبيعي المُسال إليها. إذ سيكون مسموحاً للدوحة أيضاً الاستحواذ على حصص في شركات النفط والغاز والبنى التحتية الخاصة بالطاقة الموجودة في الهند.

ولكن في ذات الوقت، ربما يجدر قراءة هذا التطور في سياق فتح الهند لخطوط ملاحية مباشرة مع الدوحة لكسر الحظر الخليجي الاقتصادي المفروض عليها. ولذا فإن المواقف الداعمة التي قد تتلقاها الدوحة من المستوردين لغازها، مع وجود احتمالات لتصعيد أكبر، قد تترجم إلى خصم من قوتها في السوق في ظل صعود مصدري الغاز المُسال الذين يعتمدون على احتياطات معتبرة من الغاز الأحفوري الذي باتت تكلفة استخراجه في تراجع مستمر.

بيد أن المنتجين الجدد للغاز الطبيعي غير الأحفوري ما زالوا يشكلون أيضاً رقماً في المعادلة السوقية بالنسبة للمصدرين التقليديين للغاز المُسال. تصعد تل أبيب اليوم كمُصدر محتمل للغاز الطبيعي إلى أوروبا. في ١٥ يونيو/حزيران، التقي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو نظيره اليوناني والرئيس القبرصي واتفق الزعماء الثلاثة على السير قدماً في إنشاء أنبوب غاز بحري يربط الحقول التابعة لتل أبيب باليونان وصولاً إلى إيطاليا يصل طوله إلى ٢٢٠٠ كيلومتر.

على الرغم من توقيع الثلاث زعماء في أبريل/نيسان الماضي اتفاق لإنشاء الأنبوب قال نتنياهو عن الأنبوب البحري على هامش اللقاء الذي عقد مؤخراً: «كان ذلك الأمر ضرباً من الخيال قبل عده أشهر». وإن لم تكن مشاريع تل أبيب لتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا جديدة، إلا أن توقيتها له دلالاته في ظل ما يمر به إقليم الشرق الأوسط من تحولات جيوسياسية، ولا سيما منطقة الخليج.

تعد إيطاليا ثاني أكبر مستورد للغاز القطري المُسال في أوروبا بعد بريطانيا التي يشكل غاز القادم إليها من الدوحة تقريباً ثلث وارداتها الغازية. وتسعى إيطاليا لتنويع وارداتها من الغاز الطبيعي بعيداً عن روسيا من خلال انخراطها في عدداً من المشاريع لإستيراد الغاز عبر خطوط أنابيب من أذربيجان إلى جانب منصات استيراد الغاز الطبيعي المُسال. ولكن تبرز الأزمة الخليجية بالنسبة لمستوردي الغاز المٌسال مدى تأثير المخاطر الجيوسياسية على خطوط الإمداد. ولذلك، بالنسبة لمستهلك عملاق للغاز الطبيعي كإيطاليا، يظل خيار استيراد الغاز عبر خطوط الأنابيب ضرورياً على الرغم من كلفة البناء والوقت الطويل نسبياً الذي تحتاجه مرحلة البناء حتى تدخل الأنابيب مرحلة التدشين (فضلاً عن العقبات التقنية المحتملة التي قد تطيل فترة البناء وتزيد الكلفة بصورة محتملة).

تظل هناك مخاطر تهدد أمن إمدادات الغاز المنقولة من خلال الأنابيب إلى أوروبا. تظل المخاطر في منطقة شرق البحر المتوسط مرتفعة على خلفية الحرب السورية. خرج حزب الله اللبناني من الحرب في سوريا أقوى مما كان بفضل الخبرات التي حصل عليها وبفضل المعدات العسكرية المتقدمة التي من المتوقع أن يكون حصل عليها، ولا سيما صواريخ ياخونت البحرية (الروسية) التي تستطيع ضرب أهداف بحرية إسرائيلية بدقة متناهية. وبذلك، تهدد القدرات العسكرية المتزايدة لحزب الله في أي حروب مستقبلية المصالح الاقتصادية لتل أبيب في المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها.

وليس بعيداً عن شرق البحر المتوسط، تعكس المؤشرات في إقليم جنوب القوقاز توترات متزايدة بين أذربيجان وأرمينيا بصورة تشي باحتمالية اندلاع حرب بين البلدين في المستقبل القريب. قد تؤدي حرب بين البلدين إلى حدوث أضرار في منشآت الطاقة الأذرية بصورة تؤدي إلى التأثير سلباً على خطط تصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا.

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...