هل يحمي ميثاق الشيخة سلامة أبو ظبي من صراع الإخوة؟

0 36

تقول مرويّة إمارتية أن الشيخة سلامة بنت بطي القبيسي (رحمها الله) وإذ هي عائدة من منفاها في الشارقة رفقة أبنائها الشيوخ الثلاثة (شخبوط وزايد وهزاع) الى أبو ظبي ليتسلم نجلها الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم في المشيخة عام 1928م. أجبرت الشيخة – المفجوعة بزوجها – أولادها على التعهد أمامها بأن لا يريق أحدهم دم الآخر طمعاً في الحكم. أرادت الشيخة سلامة أن تضع حداً لمقتلة إكتوت بنارها، وتطلعت إلى أن ترسم إلى أولادها مساراً جديداً في الحكم.

ورغم أن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات قد قاد انقلاباً ناعماً ضد أخيه الشيخ شخبوط بن سلطان في 6 أغسطس عام 1966 إلا أنه اكتفى – وفاء لميثاق والدته الشيخة سلامة – بنفيه الى العاصمة اللبنانية بيروت، ثم سمح له بالعودة ليستقر في مدينة العين حتى وفاته.

الشيخة سلامة والشيخ زايد
الشيخة سلامة رفقة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة

اليوم، وإذ يطوي ميثاق الشيخة سلامة عامه التسعين تقترب أمور إمارة أبوظبي من تحدٍ بالغ وخطير بين أبناء الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان (رحمه الله). كيف يمكن ترتيب بيت الحكم في الإمارة المهيمنة على بقية الإمارات المكونة للإمارات العربية المتحدة؟ يقف هنا ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان على أرض رخوة، على مقربة من كرسي الحكم الذي يندر ظهور الجالس عليه أمام شاشات التلفزة، لكنه لا يجد إلى ذلك سبيلاً.

ميثاق الشيخة سلامة كان النهاية الجميلة لحوادث دموية شهدتها الإمارة الخليجية الغنية بالنفط ما بين العامين 1909 و 1928. تبدأ الحادثة مع وفاة الشيخ زايد بن خليفة ال نهيان إذ ارتقى سدة الحكم نجله الشيخ طحنون بن زايد (1909 – 1912)، امتد حكم الشيخ طحنون لثلاث سنوات قبل أن يلقى مصرعه على يد أخيه الشيخ حمدان بن زايد.

تولى الشيخ حمدان بن زايد (1912- 1920) – وهو جد الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم حاكم دبي حالياً من أمه الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان – أمور المشيخة لثمان سنوات ثم قُتل على يد أخيه الشيخ سلطان بن زايد. وامتد حكم الأخير 7 أعوام لينتهي بعد مقتله هو أيضاً على يد أخيه الشيخ صقر بن زايد آل نهيان الذي أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً. لم يكن حينها لأولاد الشيخ سلطان إلا أن يحتموا إلى الغريم القديم لمشيختهم حاكم الشارقة.

لم يستقر الحال بالأخ الرابع كثيرًا، فسرعان ما تعرض الشيخ صقر بن زايد اّل نهيان وقبل أن يكمل عامه الأول للاغتيال على يد أخيه الشيخ خليفة بن زايد الذي قتل أخاه انتقاماً. وبعد أن استتبت أمور المشيخة واستقرت أحوالها أعاد الشيخ خليفة بن زايد – الزاهد في الحكم – زوجة أخيه سلطان الشيخة سلامة وأولادها من الشارقة، ليتسلم الشيخ شخبوط بن سلطان مقاليد الحكم.

الشيخة سلامة
الشيخة سلامه رفقة سوزان هيليرد أول امرأة أجنبية تسكن أبوظبي عام 1954

ولئن كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان قد تنبأ بصراع الحكم مبكراً فاختار تنظيم تراتبية الحكم من بعده الى الشيخ خليفة بن زايد الرئيس الحالي لدولة الإمارات العربية المتحدة أولاً، ثم محمد بن زايد ولي عهد أبوظبي (ممثلاً عن أبناء فاطمة بنت مبارك الكتبي) ثانياً، إلا أن ما يبدو طموحاً للشيخ محمد بن زايد في تخطي أخيه مبكراً والوصول الى كرسي الإمارة ورئاسة الإمارات بالنتيجة يعقد الأمور كثيراً. ولئن كان الشيخ محمد بن زايد بشهادات محلية وخارجية بات يتحكم بالقرار السياسي والعسكري في الإمارات إلا أن الشيخ خليفة بن زايد الحاكم الفعلي لا يزال على رأس السلطة، ولو صورياً.

من كوابح التغيير في رأس السلطة على الإمارات وجود الشيخ سلطان بن زايد الى نهيان ممثل رئيس الدولة الحالي والشيخ سلطان بن خليفة نجل الرئيس الحالي للدولة واللذان يمثلان سداً  منيعاً أمام انتقال السلطة الى محمد بن زايد، يضاف لذلك أطماع الإخوة الأشقاء لمحمد بن زايد نفسه، إذ يتساءل كثيرون عن ولاية العهد بعد تولي محمد بن زايد سدة الحكم في الإمارة رسمياً، هل ينتقل الحكم من الأخ الأكبر الى الأصغر على النموذج السعودي سابقاً، أم يورثها محمد بن زايد في نسله على النموذجين القطري والبحريني.

لا يبدو أن ما يزعج محمد بن زايد هي المصدات القائمة في قصر أخيه الشيخ خليفة بن زايد وحسب، فالعلاقات المتينة التي تجمعه بإخوته الأشقاء ستكون في تحدٍ حقيقي وخطير، خصوصاً إن كان سيمنح ولاية العهد بعده الى نجله الأكبر دونهم. وهو ما يعقد الأمور أكثر. فالإمارات لا تختلف عن عديد دول الخليج التي بات انتقال السلطة فيها من جيل الى جيل أزمة كبيرة، تتداخل فيها عوامل داخلية وخارجية.

تاريخياً وقبل ميثاق الشيخة سلامة، كان لإمارة أبوظبي التي بعثت الى الحياة عام 1761 تاريخ حافل بالصراعات الدموية على الحكم. كان الشيخ ذياب بن عيسى بن نهيان آل نهيان (1761- 1793) أول حكام المشيخة الوليدة لتحالف قبائل بني ياس. وقُتل الشيخ ذياب عام 1793 على يد ابن عمه هزاع بن زايد بعد صراع طويل.

انتقم الشيخ شخبوط بن ذياب (1793 – 1816) لمقتل أبيه بقتل 10 ممن شهدوا مقتله أو شاركوا فيه بحسب ما يذكره ج ج لوريمر في موسوعته التاريخية: «دليل الخليج».

بقى الشيخ شخبوط بن ذياب شيخاً على أبو ظبي حتى الاطاحة به على يد إبنه محمد بن شخبوط الذي استمر في الحكم لعامين ليطيح به أخوه الشيخ طحنون بن شخبوط الذي أمسك بتلابيب المشيخة بعد طرد أخيه الذي انتهت به الحال لاجئاً في قطر. هذا ما يؤكده الملازم هينيل عام 1831 في كتابه «مختارات بومباي» (المجلد 24، ص 464)، لكن الملازم ماكلويد يذكر خلاف ذلك في مذكراته عام 1823 إذ يؤكد أن طحنون قد وضع من قبل سلطان مسقط عام 1821 على الحكم مكان أبيه. ويؤكد لوريمر أن الإنتقال كان بعد 1820 ويسبب ذلك بأن شخبوط هو من قام بتوقيع اتفاقية السلم البحري مع بريطانيا في 11 يناير 1820.

في العام  1833 سقط طحنون قتيلاً «بطلقات رصاص من أخيه خليفة وطعنة خنجر من أخيه سلطان» (لوريمر / دليل الخليج).

تولى الشيخان خليفة وسلطان الحكم معاً، لكن سرعان ما حسم الشيخ خليفة رئاسة المشيخة لصالحه. في عام 1935 ازدادت أعمال القرصنة للشيخ خليفة بن شخبوط كما يؤكد ذلك لوريمر، وهو ما جعل البريطانيين يجبرونه وسكان أبوظبي على دفع تعويضات كبيرة تسببت في هروب عدد كبير من السكان خصوصاً قبيلة القبيسات الى منطقة العديد في قطر، التي مثلت محور صراعات كبيرة بين مشيخة آل ثاني ومشيخة آل نهيان.

في يوليو العام 1845 قُتل كل من الشيخ خليفة وأخوه سلطان على يد عيسى بن خالد الذي حاول السيطرة على المشيخة إلا أنه قتل على يد ذياب بن عيسى (ابن عم الشيخ خليفة). وبعد أشهر من الفوضى والدماء بين أبناء عائلة آل نهيان انتهت الأمور بتولي الشيخ سعيد بن طحنون آل نهيان (1845 – 1855) مقاليد الحكم في المشيخة.

في العام 1850 قرر الشيخ سعيد قتل شقيقه خليفه، وبناء على عهد وثيق من الشيخ سعيد طُلب من أخيه خليفة القدوم إلى أبوظبي، لكن النهاية حُكمت بالدم فقتل سعيدٌ أخاه. فوضى جديدة ودماء تسببت في خروج الشيخ سعيد بن طحنون الى جزيرة قيس تحت السيطرة الإيرانية تاركاً المشيخة لأخيه الشيخ صقر، وهو ما لم يرتضيه سكان أبو ظبي الذين بايعوا الشيخ زايد إبن الشيخ المغدور خليفة آل نهيان بالمشيخة.

حفظ ميثاق الشيخه «سلامة» أبو ظبي لسنواتٍ طوال حتى بعد وفاتها العام 1970، وتمتلك هذه الإمارة التي حفظها ميثاق الشيخة المبروكة من صراعات عدة، ثاني أكبر صندوق سيادي في العالم.  أما اليوم، فيبدو أن المتطلعين لسدة الحكم كُثر. وأن ترتيبات البيت الداخلي للآسرة الحاكمة في أبوظبي عرضة للتغيير والتبديل. خصوصاً وأن التغييرات الأخيرة التي شهدتها بيوتات الحكم في دول الخليج تفتح أبواب التوقعات بلا حدود.

هل ينجح ميثاق الشيخه سلامة في هذا الاختبار الصعب أو تطوي أسرة آل نهيان ملف ميثاق الشيخه سلامة بميثاق آخر؟

قد يعجبك أيضاً المزيد عن المؤلف

تعليقات

تحميل ...